التحديات الاقتصادية التي تواجهها مصر: هل انقضت العاصفة؟

كان تعويم الجنيه المصري، وهو الإجراء الجريء والمثير للإعجاب والذي اتخذه البنك المركزي المصري في 3 نوفمبر الحالي إجراءً لا مفر منه، وأي بديل آخر كان سيكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد المصري، وذلك وفقا ً لمحمد فريد، رئيس مجلس إدارة والرئيس التنفيذي لشركة دي كود للاستشارات الاقتصادية والمالية Dcode Economic & Financial Consulting .

في محاضرة المدير الأكاديمي للجامعة الأمريكية بالقاهرة بعنوان "التحديات الاقتصادية التي تواجهها مصر، التداعيات والإصلاحات"، قال فريد "لم تنقضي العاصفة بعد. في أي عملية انتقالية من نظام تدفق موجه إلى نظام تدفق حر، تشهد الأسواق الكثير من الضطرابات. ستحدث تقلبات في سوق الصرف الأجنبي وسيكون الوضع الاقتصادي غير مستقراً، وسيتأثر حجم الاستهلاك. فضلاً عن انخفاض الدخل الحقيقي في حالة ارتباطه بالجنيه المصري فقط. سيزيد التضخم بمعدل مرتفع للغاية على جميع المستويات: السلع الاستهلاكية سريعة الدوران، والتعليم، والخدمات."

ومع ذلك، ذكر فريد أن الأمل الأقصى لدينا هو حدوث نمو اقتصادي حقيقي وشامل من خلال الإدارة الصحيحة، وإجراء الإصلاحات القطاعية والاقتصادية الشاملة، وتوسيع الأنشطة الاقتصادية خارج الثلاث محافظات الرئيسية القاهرة والجيزة والأسكندرية، والاعنتماد على التكنولوجيا بشكل أكبر، والتحول من مجتمع نقدي إلى مجتمع لا نقدي يستخدم كروت الائتمان ووسائل إلكترونية في السداد، وزيادة تعزيز الشمول المالي. قال فريد "من أجل تحقيق إصلاحات مستدامة، لابد من حدوث تحول حقيقي في الاقتصاد. آنذاك، سنرى مكاسب إنتاجية وتحسن اقتصادي."

تضمن المتحدثون زياد بهاء الدين، خريج الجامعة عام 1987 وعضو بمجلس أوصياء الجامعة ومستشار قانوني ونائب رئيس الوزراء سابقاً، وأحمد عيسى، مدير الخدمات المصرفية للأفراد بالبنك التجاري الدولي. أدار الحوار سامر عطا الله، خريج الجامعة عام 1997، مدرس الاقتصاد بالجامعة.

ذكر عيسى، متفقاً في الرأي مع فريد، أن التاريخ يكرر نفسه، حيث ذكر حدوث ثلاث دورات اقتصادية مماثلة في مصر خلال الثمانينيات و1993 و2003 – 2004. قال عيسى "في كل دورة من تلك الدورات، حدثت تقلبات اقتصادية وتبع ذلك حدوث نمو وطفرة اقتصادية قوية لمدة تراوحت من 5 إلى 7 سنوات. نحن نتوقع تكرار حدوث هذه الدورة في الخمسة سنوات القادمة."

أوضح عيسى أن تصرف واستجابة الحكومة اليوم يماثل استجابتها في الدورات السابقة. قامت بخفض قيمة الجنيه المصري وتعويمه، ليتبع ذلك زيادة معدلات الفائدة لتشجيع المصريين على تحويل مدخراتهم من دولار أمريكي إلى الجنيه المصري.

أضاف عيسى "يدخر المصريون حوالي 50 مليار دولار أمريكي في 38 بنك مصري، وتعد نصف هذه القيمة تقريباً مدخرات عائلية. قال عيسى "سأترك الأمر لمخيلتك عن كم الدولارات الأمريكية المخبأة تحت المراتب. فزيادة معدلات الفائدة ستشجع المصريين على تحويل الـ50 مليار دولار أمريكي إلى جنيهات مصرية، وهناك علامات بالفعل تشير إلى فاعلية هذا الإجراء. خلال الأسبوعين الماضيين، بلغت نسبة الدولارات الأمريكية المباعة من القطاع العائلي 70%، وشهدت البنوك المصرية زيادة عمليات بيع الدولار الأمريكي بنحو أكثر من 20 أو 30 مرة مقارنة بالأشهر القليلة الماضية."

ومع ذلك، تجعل التكاليف المرتفعة للتمويل الوضع صعباً على المستثمرين مما يخلق مخاطرة كبيرة ويؤثر سلباً على خلق فرص العمل. قال عيسى "نأمل أن تنقضي سياسة معدلات الفائدة العالية قريباً، وهو الأمر المنتظر حدوثه، وفقاً لتاريخ الثلاثة دورات السابقة."

كما ذكر عيسى أنه من أجل انتقال مصر من الفقر إلى الإزدهار وإحداث نمو سريع يؤدي إلى خلق وظائف مستدامة، يجب أن تمثل قاعدة التصنيع والإنتاج بالبلاد حوالي 50% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما في الواقع، لم تتعدى هذه النسبة 18%. قال عيسى "يجب أن تجتهد مصر لتحقيق ذلك، والسبيل الوحيد لذلك هو تقليل الاعتماد على الجنيه المصري لأن الدولة التي تعاني من ارتفاع معدل التضخم المحلي بها مقارنة بالدول الأخرى، لن تتمكن من الحفاظ على المستوى التنافسي لقاعدة التصنيع لديها. فخلال الأشهر الثلاثة الماضية، بلغت قيمة العجز في ميزان السلع والخدمات 3 مليار دولاراً أمريكياً، وهذا أمر غير مستدام. لا يمكننا العيش في ظل مثل هذه النسب المرتفعة من العجز، ولم يكن هناك بديل آخر غير تطبيق سياسة تعويم الجنيه المصري. إن أسوأ ما قد يحدث في الأشهر القليلة القادمة هو التردد، وأفضل الحلول لمصر الآن هو تطبيق ذلك بالشكل الصحيح."

يشترك بهاء الدين مع عيسى في وجهة النظر، موضحاً "أن تطبيق هذه السياسة كما يتوجب مهماً للغاية. من العوامل التي سيكون لها أثر مباشر في مصر الآن هو قدرة البلاد على إعادة تخصيص مواردها بالشكل الصحيح من خلال التعليم الصحيح الذي سيقود بها إلى النمو الاقتصادي الصحيح."

حديثاً عن التداعيات المباشرة لتعويم الجنيه المصري، قال فريد "هل كان يمكننا تجنب دفع هذا الثمن؟ فهذا هو السؤال الأهم الآن،" مشيراً إلى الطلب المحصور واختلال التوازن في الاقتصاد الكلي، مثل العجز المالي، والسيسة النقدية، والصرف الأجنبي، بالإضافة إلى العوامل التي تعيق الاستثمار وهي التي أدت بنا إلى الوضع الحالي. أوضح فريد "منذ عام ونصف العام، ربما كانت متاحة لنا بدائل أخرى حول كيفية إدارة وتوجيه سياستنا النقدية داخل البنك المركزي المصري. ومع ذلك، إن الوضع الذي وصلنا إليه قبل 3 نوفمبر كان من الصعب للغاية التصرف فيه. لم يكن في مقدور البنك المركزي المصري القيام بحماية جزء من قيمة العملة المصرية، ولم يكن في مقدور القطاع الخاص، وبالأخص الجهات التي تستورد قطع الغيار أو السلع الوسيطة، أن يستمر في العمل. ومن ثم، كان نظام التعويم الحر هو الخيار الوحيد المتاح لدينا."

يتفق بهاء الدين مع هذا الرأي موضحاً أنه لم تتوافر أي سياسات أخرى في يوم 3 نوفمبر، ولكن توافرت خيارات أخرى خلال السنوات الماضية لإمكانية معالجة الأسباب الأصلية التي قادتنا إلى وضعنا الحالي هذا، وهو الأمر الذي كنا نتوقع حدوثه جميعاً، إلا أنه فاجأنا رغم ذلك."

يتذكر بهاء الدين "في يوم 3 نوفمبر، استفقنا جميعاً للواقع أنه إن لم نصدر ونجني الدولار الأمريكي سنفتقر، وفجأة أصبحنا جميعاً أفقر عما كنا من قبل بشكل ما، مع اختلاف النسب بيننا. ولكن، وبشكل عام، فقد تأثرنا جميعاً جراء ذلك، سواءً كنت مستورداً أو مستهلكاً، أو تبني مصنعاً، أو لديك أقساط يلزم سدادها. لم ينفد أحد من ألم هذه التجربة، لكننا نحرص على أن يوزع هذا الألم بشكل عادل قدر الإمكان، وأن نستفد من الفوائد المقترنة بذلك، وأن نعمل على معالجة الأسباب التي آلت إلى هذا الوضع كلما تحركنا للأمام."

يرجع بهاء الدين الأسباب الأصلية لهذا الوضع إلى إعداد مؤسسي ضعيف، متضمناً قانون الاستثمار لعام 2015 الذي قدم الكثير من الحوافز الضريبية ووعود لا يمكن تحقيقها. أوضح بهاء الدين "تجتذب الحوافز الضريبية الأنواع الخاطئة من الاستثمارات، وتخلق فرص للفساد، ولا تحقق أرباح ضريبية ملموسة للبلاد. في الاقتصاد، نحن نسميها سباق للهبوط وليس الصعود."

متفقاً مع هذا الرأي، ذكر عيسى "في عام 2005، حينما أُلغيت الحوافز الضريبية في مصر، لم نخسر شركة واحدة من الشركات متعددة الجنسيات حتى. فمصر تعد من أكثر الأماكن التي يمكن تحقيق أرباح فيها حول العالم، ومن ثم تكون مختلف الأعمال على استعداد لسداد الضرائب المفروضة عليهم ومواصلة الاستثمار بها."

ذكر فريد أنه بخلاف الحوافز والإعفاءات الضريبية وخصمها، والتي تعد موجودة بالفعل، يمكننا مساعدة المستثمرين بشكل أكثر فاعلية من خلال السياسات الواضحة المرتبطة ببعض الأمور مثل الاستيراد، والترخيص والتسجيل، وتوفير عمالة ذات مهارات عالية ومدربة جيداً. وأضاف فريد أنه فيما يتعلق بتقلبات سوق الصرف الأجنبي الحالية، قائلاً "نحن نقلل من قدر القطاع الخاص في التأقلم مع هذا الوضع."

وذكر بهاء الدين أسباب أصلية أخرى لحدوث ذلك والتي تضمنت الإنفاق العام المفرط على المشروعات الضخمة، وعدم تحقيق تقدم فيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية والحماية الاجتماعية، وحجب المعلومات، وضعف إمكانية التعامل مع الصدمات، مثل حالة السياحة المصرية وضرائب القيمة المضافة. قال بهاء الدين "لا يوجد أي مكان في العالم، تكون مسألة فرض الضرائب تبدو وكأنها لا زالت خياراً كما هي في مصر. فالضرائب تعد شكل من أشكال العدالة الاجتماعية."

ومن أجل الخروج من معضلة الوضع الحالي ومعرفة الدروس المستفادة منه، ذكر بهاء الدين أنه يجب على مصر تحديد ومراجعة السياسات التي أدت إلى خفض قيمة العملة المصرية على هذا النحو كي لا تضطر البلاد لمواجهة مثل هذا الوضع مرة أخرى بدين أضخم والتزامات أكثر تجاه الأسواق المحلية والدولية. شدد بهاء الدين "أنه علينا أن نكف عن الحديث عن حدوث ذلك من عدمه، فقد حدث الأمر وانخفضت قيمة الجنيه المصري بالفعل. فالأمر يبدو وكأنك تعيش بمنزل ينهار كل يوم، لكنك لا تدرك أن قيمته تنخفض يوماً بعد يوم إلا بعد مجيء خبير يخبرك أن قيمته لا تتعدى 50% عما اعتقدت أنت. من المهم أن ندرك الفرق بين تطبيق سياسة تعمل على خلق حقيقة جديدة وتطبيق سياسة أخرى تكشف عن الحقيقة المؤسفة الموجودة بالفعل، والتي لم يتم وضعها في الحسبان بالشكل الصحيح."