قولبة المجتمع المصرى فى "نحن" و"هم" تعمق من الشقاق الاجتماعي

وتبدو أن الجماعات الحكومية والسياسية إما أنها لا تستمع إلى الآخر، أو لا تحاول إيجاد تسويات أو حلول وسط. وبالتالي، فإن هذا يعكس ما يقوم به الشخص العادي في الشارع."
توضح عامر أن مبدأ قولبة الأخر بين "نحن" و"هم" أصبحت هى السائدة فى مصر الأن. فإن الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم منتمون إلى جماعة أو يتبنون وجهة نظر معينة يلومون الآخرين، ويحقرون من الآخرين وينشرون مشاعر الكره تجاههم، ويسخرون منهم. توضح عامر " يصل الأمر أحياناً إلى عدم إظهار أي تعاطف حينما يتضرر أو يقتل أشخاص من الجماعة الأخرى وهو ما يعد أمر مقلق للغاية."
وتضيف "أوضحت الأبحاث النفسية أن هذه القولبة بين "نحن" و "هم" تزيد من الاعتداد بالنفس لدى الأشخاص الذين يعتقدون أنهم على الجانب الصائب أو الأفضل مما يجعلهم يحقرون من الجانب الأخر ويحطون من قدرهم." "لابد من إدراك أن حدود وتعريفات أي جماعة وتعريفاتها تتغير بمرور الزمن وفقاً إلى الوضع السائد وتماشى ذلك مع هوية الشخص في لحظة محددة. تقول عامر "في حالة شن حرب على مصر، فإن هذه الجماعات المتنازعة ستتحد لمحاربة العدو الخارجي. ولكن، في حالة عدم وجود مثل هذا الحدث الخارجي، وإذا استمر الناس في تشويه الآخرين وقولبتهم وتهميشهم واضطهادهم، والنظر إليهم ككتلة واحدة غير متنوعة، سيؤدي ذلك إلى التقليل من فرص تواجد مناخ مفتوح وتعددي للأشخاص ذوي الخلفيات المختلفة. وبالتالي، تصبح المصالحة فيما بينهم صعبة للغاية."
إن شعور الاعتداد بالنفس والطمأنينة اللذان يشعران الناس بهما عند انتمائهم لجماعة ما يؤدي بهم إلى الإيمان بالعديد من المناهج ، والتي تؤدي إلي ترسيخ وجهة نظرهم أكثر. توضح عامر قائلة "حينما يجد الناس ملاذاً في إحدى الجماعات، فإنهم يقومون بتنقية وتجنب المعلومات التي لا تتماشى مع وجهات نظرهم مما يجعلهم غير قادرين على رؤية جميع الأطراف لأنهم يلتقطون المعلومات التي تتفق مع وجهات نظرهم فقط، حتى وإن كان ذلك يعنى اللجوء إلى مصادر معلومات غير موثوق بها، أو تصديق إشاعات غير واقعية، أو تداول أخبار غير مؤكدة على مواقع التواصل الاجتماعي تعضد من وجهات نظرهم. وبالتالي، يزيد ذلك من شعورهم بالطمأنينة والأمان، ويؤكد على رأيهم تجاه الجماعة الأخرى بأنها "أقل منهم" بصورة مستمرة. إن الأمر يكون مريحاً نفسياً حينما نرى الجماعة الأخرى على أنها سيئة وفاسدة، وأننا نحن على الجانب الصالح."
تضيف عامر أن مواقع التواصل الاجتماعى تفاقم من الوضع لسهولة تداول الصور، وأفلام الفيديو، والقصص، سواءً كانت من مصدر موثوق أم لا كما يسهل كتابة التعليقات الفظة والقاسية التي تصل إلي حد الاتهامات في بعض الأحيان. تقول عامر "يكتب الناس تعليقات وادعاءات قاسية على مواقع الإعلام الاجتماعي قد يصعب التفوه بها وجهاً لوجه مما يسبب الصراعات بين الأصدقاء وأفراد الأسرة الواحدة. إن الصور وأفلام الفيديو التي يتداولها الناس لا تظهر عناوين لها، لكن الناس تتشاركها على أية حال. يقل التفكير النقدي حينما تكون الناس خائفة أو ترغب في تصديق شيء ما وتحتاج إلى أن تشعر بالرضا تجاه صحة الموقف الذي يتبنونه. هناك أيضاً نقص في الثقافة الإعلامية، وهو الأمر الذي يصعب من التمييز بين ما هو موثوق به أو لا."
كانت عامر على مدار العامين السابقين تراقب الأخبار المتداولة على موقع فيسبوك، حيث أصبح محتواها مجحفاً وبغيضاً للغاية. وقامت عامر بجمع الموضوعات العامة داخل وثيقة تحت اسم“Twenty Steps to Civil War”. فقد لاحظت عامر، من خلال دراسة الأخبار والمعلومات التي يتداولها الناس، أنه في مقابل كل اتهام أو إشاعة يتم نشرها ضد جماعة ما، كان يتم نشر تصريح مشابه من قبل تلك الجماعة. تقول عامر "حان الوقت لنا جميعاً لكي ننظر إلى الوراء ونفكر فيما ساهمنا فيه من تشويه للآخرين وتجريدهم من الإنسانية. نحن نلام جميعاً على هذا الوضع الذي أصبحنا فيه الآن." تذكر عامر أن الأمر الأكثر سوءً من ذلك أنه مع حالة الاستقطاب الحالية داخل المجتمع المصري، أصبح هناك مساحة قليلة لبلوغ أي تسوية أو حل وسط. تقول عامر "بالرغم من وجود عدد لا نهائي من الجماعات ووجهات النظر، يخلق الإعلام والخطاب الوطني حالة من الانقسام المضلل بين الطرفين، حيث يبسطان هذه الحالة باستخدام لفظين مثل "مع" و"ضد" في كثير من الأحيان. إن الأشخاص الذين لا ينتمون إلى جماعة ما، ويحاولون التحلي بالموضوعية والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، يشعرون بالضياع والقلق والارتباك لأنهم لا يعلمون كيفية تفسير هذا الكم الهائل من المعلومات، هذا بالإضافة إلى حالات العنف والقتل التي يصعب استعيابها والتعامل معها. إن إدراك ما يحدث ومحاولة فهم وجهات نظر جميع الجوانب يعتبر عبئاً نفسياً. ولكي نتجنب حدوث مثل هذا الضغط النفسي، نحاول أن نحمي أنفسنا من خلال انتمائنا إلى جماعة ما، حيث نصورها على نحو مثالي ونبرر أفعالها. وكلما إزداد دعم الأصدقاء وأفراد الأسرة الواحدة لوجهة نظر محددة تتبناها الجماعة التي ينتمون إليها، قد يشعر الأشخاص، غير الداعمين لأية وجهة نظر، بمزيد من الضغط." قد يكون الأمل في حدوث مصالحة في يد هؤلاء الأشخاص الواقفين في منتصف الطريق. تقول عامر "ليس من الضروري أن يكون القادة السياسيون أو تلك الجماعات هم المسئولون عن إحداث تغييرات في المجتمع. إن الأشخاص غير المنتمين إلى جماعة معينة، والذين يرغبون في تواجد مجتمع متسامح وإنساني وتعددي، عليهم التقدم للأمام واتخاذ موقف لبناء جسور التفاهم كبديل للغة الخطاب الحالية. يجب أن يقوم هؤلاء بتشجيع صوت العقل الذي يستند إلى التسامح والشمول. نحن جميعا نتحمل مسئولية ما يحدث ويجب أن نتكاتف معاً لأننا نقترب من منطقة الخطر. فإما أن نواجه وإما أن ندخل في نفق مظلم."