عمر سمرة: تسلق الجبال هو تجسيد للحياة

أنهى سمرة التحدي في يونيو 2013 بعد وصوله إلى قمة جبل دينالي بألاسكا. وفي مقابلة شخصية لنشرةNews@AUC التي تصدر عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة، يصف سمرة تجاربه في تسلق الجبال وكيف بدأ اهتمامه بالتسلق.
بعد دراستك للاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، كيف انتهى الأمر بك متسلقاً لأعلى قمم الجبال في العالم؟ كنت أحد الأفراد الذين يرتادون الجامعة دون معرفة ماذا سيدرسون. بدأت بدراسة الهندسة، ثم حولت إلى دراسة الاقتصاد، فقد كان بإمكاني دراسة أي شيء. عملت في شركة تعمل في مجال بنوك الاستثمار في لندن فور تخرجي، وشعرت بإثارة بالغة في أول الأمر. ولكن بعد مرور ستة أشهر، بدأت أسأل نفسي إذا ما كان هناك المزيد الذي يمكنني القيام به في حياتي. كنت أتقابل كثيراً مع رجل بريطاني يدعى دينيس، وكنا نتحدث عن مغامراته. فقد أخبرني عن قيامه برحلة بالدراجة من مدينة نيس إلى مدينة نابلس، وأتذكر أنني كنت مبهوراً بذلك. كان لدي اعتقاد بأن هذا ما أريد القيام به. واستحوذت الفكرة علي وقررت الذهاب إلى أسبانيا في عام 2001، حيث حصلت على دراجة وسافرت عبر أعالي أسبانيا. كانت هذه أول مرة أقوم بمثل هذه الرحلة الهائلة، وقد استمتعت بها تماماً. فقد شعرت أن هذا هو ما أريد القيام به حينما ركبت دراجتي، وشعرت بالاكتفاء الذاتي. وقد صعب ذلك من عودتي إلى العمل، لكنني كنت قد توصلت إلى فكرة ما، وهي أن أبقى في العمل لكي أجني مالاً كافياً يمكنني من ترك عملي والسفر عبر آسيا وأمريكا اللاتينية. لم أفهم سبب قيامي بذلك، لكن كان لدي هدفاً محدداً وشعرت أن هذا ما أريد القيام به، ولا يمكنني أن أعبر بالكلمات عما كنت أشعر به. بدأت رحلتي في ديسمبر 2002، وعدت إلى لندن حينما نفذ مالي، وعدت إلى العمل المصرفي مرة أخرى. كنت قد نسيت شعوري بعدم سعادتي في عملي، وحينئذ فكرت في العودة إلى الدراسة، فالتحقت بكلية لندن للأعمال لنيل درجة الماجستير في إدارة الأعمال. وكنت قد وعدت نفسي بأنني لن أسافر، ولكن عادة تأتي الحياة دائماً بما لا نتوقع. فبعد خمسة أسابيع فقط من بدء دراستي للماجستير، حصلت على رسالة إلكترونية من زميل يدعوني فيها لتسلق جبل إفرست. فقد كان حلمي دائماً أن اتسلق جبل إفرست منذ أن كنت في السادسة عشر من عمري. لذا فقد انتهزت الفرصة وقبلت عرض صديقي لأنه ببساطة لم يكن في استطاعتي تجاهل الأمر. وقد كان الجمع بين الدراسة والتدريب أمراً شاقاً، لكنني تخرجت وتسلقت جبل إفرست في نهاية الأمر. لماذا قررت تسلق سبع قمم على وجه التحديد؟ كنت أشعر بالفراغ حينما عدت بعد تسلق قمة جبل إفرست. فقد استبدت بي فكرة تسلق هذا الجبل طوال اثنتي عشر عاماً، منذ أن كنت في السادسة عشر من عمري وحتى وصلت إلى سن الثامنة والعشرين. وكنت أحمل معي صورة لجبل إفرست أينما ذهبت، داخل محفظتي، وداخل غرفتي، وفي كل مكان. وبعد تحقيق هدفي، فكرت "ماذا ستفعل الآن؟" فقد كان لابد لي أن أوجه لنفسي هذا السؤال. كنت لا أزال أشعر بشغف تجاه تسلق الجبال، وبالتالي وضعت هدف أكبر نصب عيني، ألا وهو تسلق قمم الجبال السبع. كنت على وشك أن أبلغ القمة السابعة في ألاسكا في عام 2012، إلا أننا واجهنا عاصفة شديدة. لذا عدت مرة أخرى عام 2013 إلى ألاسكا لتحقيق هدفي المنشود. كيف تتدرب للقيام بمثل هذه الرحلات الشاقة؟ هناك ثلاثة عوامل يجب وضعها في الاعتبار: العامل النفسي، والعامل البدني، والعامل الفني. أما فيما يتعلق بالعامل النفسي، فحينما نتسلق أماكن مرتفعة وباردة، فإننا نبدأ في التعرف على أنفسنا بصورة جيدة، ونتعلم كيفية مواجهة مخاوفنا. ونبدأ في فهم أجسادنا بشكل جيد لأن الموضوع كله ينصب على وضع قدم أمام القدم الآخر. يجب أن نعلم اتجاه الشمال الحقيقي وأن نتجه نحوه. ويجب أن نعلم اتجاهاتنا وتوازننا خلال الأوقات العصيبة. أما العامل البدني، فيكون الاعتياد على استنشاق هواء نقي ونظيف بعد المعيشة في أجواء مدن كلندن، والقاهرة، ودبي، حيث تعتبر مدن ملوثة إلى حد كبير. لكنني أتدرب كثيراً، فقد مارست الرياضة معظم حياتي، وأعمل على المحافظة على لياقتي البدنية. وأقوم بزيادة التدريبات التي أمارسها قبل تسلق قمم الجبال. وأخيراً، فيما يتعلق بالعامل الفني، يجب أن نواصل التدريب والتسلق. فقد أصبح لدي حصيلة هائلة من التجارب الذي تراكمت لدي بمرور الوقت. ما هو أصعب جبل تسلقته؟ كان جبل إفرست هو الأصعب في التسلق لأنه الأعلى، وتزداد البرودة والرياح عليه، ومما يزيد من صعوبة الأمر البعد عن الوطن لفترة طويلة من الوقت. إن الأمر برمته يتعلق بالثبات النفسي. فقد كانت ألاسكا الأكثر برودة بالتأكيد، وهذا يشكل خطورة في حد ذاته، لكنها كانت أقصر كثيراً من إفرست. ماذا يدفعك للاستمرار؟ إن هذه الرحلة هي رحلة للنمو والنضج، حيث يتسلق الناس الجبال لكي يشعرون بالسعادة. فهناك لحظات يشعر المرء فيها بالوضوح والصفاء والفهم التام. فأنا أتسلق الجبال لأنني أمر بصعوبات ومشقات على المستويين النفسي والبدني، لكنني أتمكن من تخطيهما. نحن نتعلم الكثير عن أنفسنا، وهذا يجعلنا أفضل كأشخاص. أنا أجمع هذه التجارب والقصص التي أمر بها وأسردها على الآخرين لحثهم على المغامرة لكي يكون لديهم التجارب الخاصة بهم. يكمن الجمال في تسلق الجبال أن التسلق ما هو إلا استعارة تعبر عن الحياة. فمن أجل تسلق جبل ما، لابد من الإعداد الجيد، والوصول إلى القمة، ثم هبوط الجبل مرة أخرى. إن تسلق الجبل يجعل الحياة وكأنها فيلم يسير بسرعة للأمام. هل تتذكر أية تجارب بارزة أو لا تنسى أثناء تسلق تلك الجبال؟ كنا في رحلة، وبعد مرور سبعة أشهر، وجدنا رجل كان قد توفي لتوه. وكان علينا التعامل مع هذا الوضع، واتخاذ قرار عما يجب علينا القيام به. فحينما يتعلق الأمر بتسلق الجبال، علينا معرفة أن هناك مخاطر، ولكن حينما نواجه تلك المخاطر بالفعل، يكون الوضع صعباً. كيف كان شعورك حينما صعدت إلى القمة الأخيرة في يونيو 2013؟ كنت قلقاً تجاه العودة مرة أخرى إلى ألاسكا. فقد كنت متأهباً للرحلة حينما ذهبت في عام 2012 إلى ألاسكا، لكنني اضطررت للهبوط بسبب سوء الأحوال الجوية، فالأمر ليس بيدي في نهاية الأمر. فلم أكن راغباً في العودة برغم حبي لألاسكا. لذا كان لدي الشعور بأنه يمكنني أن استريح أخيراً. وقد استغرق صعودي السبع قمم ستة أعوام. والآن يمكنني التركيز على الخطوة القادمة لي. ماذا تعلمت من خلال تسلق تلك الجبال واستكشاف هذه المناطق التي تختلف اختلافاً كبيراً فيما بينها؟ لقد أصبحت شخصاً أفضل لأنني تمكنت من تخطي حدود جسدي وعقلي. تعلمت كيفية التعايش في مثل هذه الظروف الشاقة، فلا آخذ شيء كأمر مسلم به. لدينا حياتنا الطبيعية والمعتادة التي نشعر بالارتياح فيها ثم نبدأ في خوض تلك التجارب والتي تذكرنا بالأشياء المهمة حقاً في هذه الحياة. تعلمت أيضاً الكثير عن الثقافات المختلفة، فمن خلال السير على سبع من أعلى القمم، تعاملت مع سبع ثقافات مختلفة. وقد تأخذنا الجبال إلى أجزاء بعيدة ونائية من هذه الدول التي تتواجد تلك الجبال بها. هذا، فضلاً عن نشأة نوع من الصداقة الحميمة مع بقية أعضاء الفريق، حيث يحدث ترابطاً وثيقاً بيننا. ما هي أهدافك في المستقبل؟ أنا لدي هدف واحد وهو الاشتراك في التحدي الأكبرAdventure Grand Slam، وهذا يعني تسلق جبل إفرست، والقمم السبع، والوصول إلى القطبين الشمالي والجنوبي. لقد تمكن إثنان وعشرون شخصاً فقط من النجاح في هذا التحدي، وأنا آمل أن أتمكن من التزلج إلى القطبين. فلم أرتدي مزلاجات من قبل، لذلك سنرى ما سيحدث. يعد التحدي الأكبر الحصول على التمويل اللازم، حيث لا يفهم البعض حقاً سبب قيامي بمثل هذه الأمور. فهم لا يفهمون الصلة بين بذل الجهد الشاق لبلوغ هدف ما والإنسانية. يمكن الحصول على الكثير من التمويل في الولايات المتحدة الأمريكية، وتعتبر ثقافة تسلق الجبال أيقونية في المملكة المتحدة، حيث يقدرون من يسعى لتحقيق تحدي ما. ولكن هنا، في المنطقة العربية، فقد انتهت حقبة المستكشف العربي مع ابن بطوطة، وبالتالي يصعب الحصول على تمويل. ما هو التأثير الذي تأمل أن تعكسه مغامراتك على المصريين الذين لديهم شغف بتسلق الجبال؟ أتمنى أن تؤثر تجاربي ومغامراتي في الكثيرين في جميع أوجه الحياة، وأن يعلموا أنه يمكنهم القيام بأي شيء إذا صمموا على ذلك، وليس من هم مهتمين بتسلق الجبال فحسب. فقد كنت أعاني من الربو أثناء طفولتي، والآن، أصعد إلى قمم جبال تبلغ نسبة الأكسجين 6% فيها. أريد أن يعلم الناس أنه لا أحد يمكنه أن يخبرهم ما عليهم وما ليس عليهم القيام به، فنحن فقط من نحكم على إمكانياتنا الحقيقية. أود أن تكون تجاربي دعوة للآخرين للخروج عن المألوف وتخطي التوقعات.