تشيلسي جرين: الموسيقى هي الطريق لفهم ثقافات العالم

ودراسة الموسيقى مع ذلك قد تكون مثل العدسة التي نفهم من خلالها الثقافات الأخرى، وأنفسنا أيضاً. ومن هذا المنطلق، فإن تعلم الموسيقى يفيد الطلاب الذين لديهم اهتمامات وأهداف متنوعة، وليس فقط الطلاب الذين يطمحون في أن يصبحوا موسيقيين. تقدم تشيلسي جرين، وهي مدرس في قسم الموسيقى بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، إلى طلابها ذوي الخلفيات المتنوعة، والذين لم يقم الكثير منهم بأية تدريبات موسيقية من قبل، مقدمة في علم موسيقى الشعوب أو علم الموسيقى العرقية، وذلك باستخدام الموسيقى لمعرفة معنى أن نكون جزء من ثقافة ما وكيف تتغير توقعاتنا بالنسبة لشخص ما متأثر بثقافة معينة وتحكمه تقاليد مجتمع بعينه تتغير عند اختلاف المكان والسياق.
تقول جرين "تعتبر الموسيقى العالمية مفيدة بالنسبة إلى مهمة تعليم الفنون الحرة، التي تعد الطلاب لكي يصبحوا مواطنين مسئولين، وتحثهم على استيعاب فكرة كونهم أشخاص يتواجدون في إطار ثقافة معينة ويعملون من خلالها ولديهم مسئولية اجتماعية. نحن دائماً ما نتطرق إلى هذه الفكرة داخل قاعة المحاضرات ونبحث عنها في الثقافات المختلفة التي ندرسها، حيث تعتبر فكرة رئيسية في المادة الدراسية. فمن المثير للاهتمام أن نتساءل عن معنى كوننا أفراد من المجتمع في الثقافات الأخرى، وأن نعيد النظر في الاختلافات الموجودة بين تلك الثقافات، أو نفاضل بينها وبين ثقافتنا الخاصة."
قامت جرين، وهي عازفة جيتار بارعة وحاصلة على درجة الدكتوراه في الأداء الموسيقي، بإعادة تصميم مادة الموسيقى العالمية لمنح الطلاب فهم أعمق للثقافات المختلفة من خلال دراسة الموسيقى. تقول جرين: "عند دراسة الموسيقى يجب علينا أن نقرر ما إذا كنا سنأخذ بأسلوب الكم أم الكيف". وهي تشبه أسلوب الكم بعرض قدمته شركة طيران بان أم في الستينيات، حيث يمكن أن يسافر الفرد حول العالم والتوقف لفترات وجيزة مقابل مبلغ من المال. وقالت أيضاً: " إن أسلوب الكم يعني وكأننا نصعد على متن الطائرة في كل محاضرة والوصول إلى مكان جديد، وحفظ الآلات الموسيقية وسماع الموسيقى الخاصة بهذا المكان، ثم نصعد مرة أخرى على الطائرة للذهاب إلى المكان التالي. هناك ميزة لهذا الأسلوب من حيث إتاحة الفرصة للطلاب للتعرف على أصوات ونغمات وآلات جديدة، لكنني لم ألجأ إلى تطبيقه."
إن اختيار التدريس بأسلوب الكيف وتفضيله على أسلوب الكم يعني تغطية الموسيقى الخاصة بعدد أقل من الثقافات، ولكنه يعني أيضاً التعمق في دراسة هذا العدد القليل، وبالتالي حث الطلاب على التفكير فيها بشكل نقدي أوضح.أوضحت جرين: "نحن نقضي حوالي أسبوعين في دراسة الموسيقى الخاصة بكل ثقافة على حدة، وفي النهاية نصل إلى فهم عميق ومتعدد الأبعاد لهذه الثقافة. وتكون النتيجة النهائية أننا نعيد النظر في الأسئلة الخاصة بالمواطنة والمجتمع من خلال طرح بعض الأسئلة، على سبيل المثال، ما هو وضع الفرد في الثقافة الأفريقية الأمريكية وفقاً لفهمنا لموسيقى البلوز؟ وماذا نستنتج من موسيقى جزر بالي عن مواطنيها؟ وبالتالي، يمكننا أن نفكر فيما هي توقعات شخص من بالي وسبب تلك التوقعات. يمكن أن نطرح سؤال: هل هذه التوقعات موروثات من التقاليد، أم هل ترجع لأسباب اقتصادية، أم هل هي جزء من الموقع الجغرافي؟"
من أجل تحقيق غايتها في تعليم الطلاب عن كيفية إيجاد حلول خاصة بالثقافات التي يدرسونها من خلال الموسيقى، والأخذ بعين الاعتبار مقتضيات المواطن المسئول والمشارك في تنمية مجتمعه، تضمنت استراتيجية جرين تصميم المنهج بعناية والعمل في مجموعات. يعتمد المنهج الدراسي على مباديء التعلم التعاوني، التي قدمها شريف عثمان بمركز التعلم والتدريس إلى جرين. توضح جرين "يعتمد التعلم التعاوني على برنامج تعليم الفنون الحرة، الذي يسعى إلى إيجاد مواطنين أفضل يمكنهم العمل معاً، وحل المشكلات معاً، والتفكير بشكل نقدي معاً، ثم إبراز نقاط قوتهم كأفراد."
تقسم جرين الطلاب إلى ثمانية مجموعات تتكون من ثلاثة أو أربعة أفراد، حيث يعملون معاً طوال مدة الفصل الدراسي وذلك لتصميم مشروعاتحول خلفية الثقافات التي يقومون بدراستها. يوجد داخل كل مجموعة أربعة أدوار يؤديها الطلاب: الباحث، والكاتب، والمقدم، ومدون المصطلحات. يقوم الباحث بجمع المعلومات، ويراجع الكاتب هذه المعلومات ثم يضع النقاط المهمة على مصدر مفتوح أو صفحة مفتوحة على الإنترنت، ويجمع المقدم هذه المعلومات لعرضها أمام الطلاب داخل قاعة المحاضرات، ثم يختار مدون المصطلحات خمسة مصطلحات وثيقة الصلة بالموضوع ويضعهم على هذه الصفحة. وتستنبط جرين من المعلومات المتواجدة على هذه الصفحة ما يمكنها استخدامه عند إعداد الامتحانات، أي أن الطلاب أنفسهم يساهمون في إنتاج محتوى المادة العلمية تحت توجيه وإشراف جرين.
ويعتمد التعليم التعاوني على أربعة مباديء والتي تمثلها الحروف المختصرةPIES كما يلي: الترابط الإيجابي، والمسئولية الفردية، والمشاركة العادلة، والتفاعل التتابعي. ويعني الترابط الإيجابي أن كل شخص داخل الفصل الواحد أو مجموعة صغيرة يجب أن ينجح لكي ينجح الجميع. وبالرغم من أن العمل الجماعي يعتبر من صميم هذه المادة، فإن جرين تمنح الطلاب درجات فردية وذلك تفعيلاً لمبدأ المسئولية الفردية. ومن أجل ضمان تحقيق المشاركة العادلة، تطلب جرين من كل عضو في جميع المجموعات بالقيام بدور مختلف عن دوره الرئيسي. وأخيراً، يعني التفاعل التتابعي مساهمة أكبر عدد ممكن من الطلاب وقيامهم بالتعبير عن أنفسهم. تقول جرين "نريد أن نتجنب تطبيق نموذج الأستاذ الذي يلقي محاضرة على طلابه ووجود طلاب ليسوا إلا مستمعين سلبيين. إن تقسيم الطلاب إلى مجموعات يساعد على تجنب حدوث ذلك لأنني أطرح السؤال على الطلاب، ويقومون بدورهم بمناقشته داخل مجموعاتهم. وبالتالي، يتفاعل الطلاب معاً، ويأتون بخبراتهم وخلفياتهم العلمية أياً كانت، سواءً كانت في الفيزياء أو الاقتصاد، أو علم النفس... الخ، عند مناقشة مختلف الموضوعات وبذلك يحدث نوع من النقاش الإيجابي المثمر."
تخصص جرين موضوعات مختلفة من مشروعات الخلفية الثقافية لكل مجموعة، مثل الدين، والجغرافيا، والسكان، والأدوات الموسيقية، والإطار الاجتماعي والمكان، والتاريخ. وتبحث كل مجموعة في موضوع واحد داخل كل ثقافة من الثقافات الخمس التي يدرسونها. وتعتبر أيضاً هذه المجموعات فرصة لجرين للاستفادة من نقاط قوة الطلاب، وإثارة اهتمامهم تجاه أنواع مختلفة من الموسيقى.
يدفع موضوع الإطار الاجتماعي والمكان الطلاب، على وجه الخصوص، إلى تصور واستكشاف الاختلافات بين ثقافتهم الخاصة والثقافات الأخرى. تقول جرين: "يعتبر الإطار الاجتماعي والمكان هما مكونات التوقعات الخاصة بكل من الأداء والجمهور. فعلى سبيل المثال، نجد أنه في الثقافة الكلاسيكية الغربية يجب ألا نصفق أو نتحدث أو نأكل أو نلقي التحية أثناء دخول الموسيقيين إلى المسرح، فلابد وأن تكون هادئاً للغاية. أما فيما يتعلق بثقافة الموسيقى العربية، فإن كان الجمهور منسجماً مع الموسيقى، فمن المتوقع أن يتفوهوا بكلمة "الله"، أو أي تعابير أخرى لإبداء إعجابهم بالموسيقى. نحن نقوم بتحليل مثل هذه الأمور، والتي عادة ما ترتبط بالنواحي الجمالية، وما يعتبر الغرض من هذه الموسيقى أو القيم المرتبطة بها داخل ثقافة بعينها."
يثير الترابط الموجود بين الثقافات الموسيقية الأخرى والعالم العربي اهتمام الطلاب على وجه الخصوص، والذي أخذته جرين بعين الاعتبار عند تطوير محتوى المنهج الدراسي. تقول جرين "ترتبط أربعة ثقافات، من بين الخمسة ثقافات التي ندرسها، ارتباطاً تاريخياً مباشراً بالعالم العربي. فمن المثير للاهتمام أن يتعلم الطلاب الترابط بين العالم العربي وأندونيسيا أو أسبانيا من خلال الثقافات الموسيقية الموجودة في تلك الدول. لقد درست هذه المادة خلال الفصل الدراسي الأول ولم يكن المنهج متضمناً الفلامنكو الأسباني، لكنني لاحظت اهتمام الطلاب بالعلاقة بين الثقافات المختلفة وبين ثقافتهم. لذا أردت ادخال الفلامنكو الأسباني على المنهج بسبب الترابط القوي مع الأندلس العربية أثناء العصور الوسطى."
لقد أدى التركيز على الثقافات وترابطها ببعضها البعض إلى أن جرين اعتبرت ذلك مقدمة لعلم موسيقى الشعوب، حيث تقوم بتعريف الطلاب على معنى هذا المصطلح منذ اليوم الأول للدراسة. تقول جرين "إن علم موسيقى الشعوب هو تعلم الكثير عن ثقافة بعينها من خلال الممارسات والتقاليد والأداء الموسيقي، أي كل ما يتعلق بالموسيقى. وتكون الإجابة على أي تساؤل يتم إثارته يكمن في تأمل ما تخبرنا به الموسيقى عن الثقافة التي تنتمي إليها."
ولكن هناك تحيز فيما يتعلق بمصطلح علم موسيقى الشعوب، حيث تعتبر مسألة عرقية وفقاً لوجهة نظر الشعوب الغربية. توضح جرين: "نشأ علم موسيقى الشعوب كرد فعل طبيعي لدراسة علم الموسيقى أو دراسة تاريخ الموسيقى، الذي يتواجد منذ وقت طويل ويعتبر أوروبي المنحى. يعتبر علم الموسيقى هو دراسة للنظام والأعمال الموسيقية الأوروبية الغربية. فقد نشأ علم موسيقى الشعوب كرد على ذلك، وأيضاً كنتيجة لما وصفه كل من علم الاجتماع وعلم الإنسان بأنه يمكننا تعلم الكثير عن ثقافة ما من خلال دراسة الموسيقى. لم يتمكن علماء الاجتماع والإنسان من تحليل الموسيقى بشكل وافي لأنهم لم يكونوا مدربين على القيام بذلك. وبالتالي، فإن علم موسيقى الشعوب هو تطور لاهتمامات واتجاهات أكاديمية مختلفة. فليس من الإنصاف أن يكون علم موسيقى الشعوب في نزاع مع علم الموسيقى لأن الأخير يجب أن يكون تحت مظلة الأول. تعتبر أيضاً الموسيقى الغربية عرقية، ولكن السؤال المطروح هو: إلى من تعتبر الموسيقى عرقية؟
إن التوجه للطلاب من خلال علم موسيقى الشعوب يتيح الفرصة لمن ليس لهم خلفية موسيقية لإظهار مهاراتهم للآخرين، ومعرفة أن دراسة الموسيقى لا تختلف بالضرورة عن دراسة العلوم والعلوم الاجتماعية. تقول جرين "هناك وسائل بحثية في عام موسيقى الشعوب والتي تتشابه إلى حد كبير مع الوسائل المستخدمة في قسم علوم الاجتماع والإنسان والنفس والمصريات، بل ووسائل أخرى تكون مألوفة لدى العلماء. وبالتالي، حينما نمعن النظر في دراسة الحالات الخاصة بعلم موسيقى الشعوب، يشعر الطلاب بالألفة عند إدراكهم أن ليس عليهم تعلم الكثير عن الموسيقى لدراسة هذه المادة لأننا نركز في دراستنا على الثقافة."
تأمل أيضاً جرين أن تفتح للطلاب مجالات أخرى لدراسة مواد لم يتبادر إلى أذهانهم دراستها وذلك من خلال تصميمها منهجاً دراسياً يتميز بالقبول والجاذبية. تقول جرين "أود أن يعلم الطلاب أننا ندرس علم موسيقى الشعوب لأنه قد يتواجد من بيننا علماء في هذا المجال. هناك بعض طلاب البكالوريوس الذين ليس لديهم علم بما يريدون أن يفعلوه في المستقبل، وقد يأخذهم شغف بهذه المادة. لا توجد برامج في مصر تمنح درجة الدكتوراه في علم موسيقى الشعوب بعد، ولكن هذه الدولة قد تستفيد كثيراً من وجود بعض العلماء المحليين في هذا المجال. فقد يقوم هؤلاء العلماء بتقديم خدمات هائلة للموسيقى والثقافة الخاصة بالمجتمع المصري من خلال تقديمهما وتعريف العالم بهما."