جلال أمين يربط بين الانحدار الاقتصادي والفساد وسوء الإدارة

قال أمين: "أما بالنسبة للسياسات الاقتصادية، فنجد نفس النغمة التي كانت سائدة قبل الثورة. فلا توجد على الساحة أي تصورات جديدة لما يجب علينا فعله، ولا نجد إلا نفس المفاهيم القديمة التي عفا عليها الزمان. فالمشهد الاقتصادي الحالي لا يدعو بأي حال إلى التفاؤل، وهو الآن بنفس حالة السوء التي كان عليها منذ ثورة يناير 2011. وكل المؤشرات تؤكد حالة التدهور الواضح التي يعاني منها الاقتصاد المصري، وذلك بغض النظر عن العوائد الخاصة بقناة السويس وتحويلات المصريين في الخارج."
ذكر أمين أنه منذ ثورة 25 يناير ارتفع معدل البطالة من 7 أو 8 بالمائة إلى 14 بالمائة مرة واحدة، وارتفع الدين الخارجي من 33 بليون دولار إلى حوالي 50 بليون دولار، وتضاعف الدين الداخلي ليصل إلى حوالي 2 تريليون دولار، وانخفض الاحتياطي النقدي من العملة الصعبة بنسبة 50 بالمائة ليهبط إلى 18 بليون دولار من اجمالي 36 بليون دولار في 2010. وأوضح أمين: "أن متوسط اجمالي الناتج القومي في الثلاث سنوات الأخيرة كان أقل من معدل نمو السكان، ولذلك فقد انخفض مستوى المعيشة في مصر بشكل عام."
لقد ألقى أمين نظرة شاملة على الموقف الاقتصادي بشكل عام وأوضح كيف وصلت مصر إلى هذا الحال من الانحدار الاقتصادي، فهو يرى أن حالة التردي الاقتصادي الحالية لا ترجع إلى السنوات الثلاث الأخيرة فحسب، بل أن لها جذور تمتد إلى منتصف الثمانينات منذ أن بدأ الارتفاع في معدل البطالة بصورة مستمرة. وأوضح أمين: "أن الحالة الاقتصادية المتردية التي تشهدها مصر الآن يمكن مقارنتها بالفترة من 1967 إلى 1973، وهي فترة ما بين الحربين. فقد أُغلقت قناة السويس في أعقاب هزيمة 1967، وتوقفت حركة السياحة إلى مصر، وانخفضت الاستثمارات الأجنبية في مصر بصورة كبيرة، وتم توجيه كافة الموارد لإعادة اعمار مدن القناة. وبالإضافة إلى ما سبق، فقد فقدنا بترول سيناء بسبب حرب 1967، وانخفض إجمالي الناتج القومي بصورة كبيرة، وارتفع معدل البطالة. فالموقف في ذلك الوقت يشبه تماماً المشهد الذي تعيشه مصر الآن، إلا في شئ واحد وهو أن الحكومة في ذلك الوقت في ظل عهد عبد الناصر ومن بعده السادات كانت تنحاز للفقراء، وكانت تهتم بالطبقات المحرومة. وكان الشعب ينظر إلى الحكومة باعتبارها الجهة التي تهتم به وتعمل على تلبية احتياجاته، واعتقد أن هذا الشعور قد انعدم الآن تماماً."
أرجع أمين المشهد الاقتصادي الحالي إلى تفشي حالة من الفساد، وشيوع حالة من الجور الاقتصادي، بالإضافة إلى غياب العدالة الاجتماعية. وأوضح أن آمال الشعب قد انتعشت في أعقاب ثورة 25 يناير، إلا أن ذلك كله تبعثر تماماً عندما تسلم المجلس العسكري مقاليد الحكم في مصر ومن بعده الأخوان المسلمون. وقال أمين: "فعلى مر التاريخ نجد أنه عندما يقوم أي شعب بثورة ناجحة، فإنه حتماً يتسلم زمام الحكم في بلده. أما ما حدث في مصر فهو العكس تماماً، فقد قام الشعب بالثورة لكنه لم يكن مسموحاً له أبدا أن يشارك في صنع القرار. وهذا هو الحال منذ أن ترك مبارك الحكم في فبراير 2011 وحتى الآن. فيمكن للثورات أن تعطل الحياة الاقتصادية لفترة من الوقت، ولكن ليس بالضرورة أن يحدث ذلك. فيمكن للثورات أن تشعل حماس الشعوب وتحفزهم على مزيد من العمل والإنتاج. ففي الأيام الأولى للثورة أحسسنا أن المستقبل في مصر سيكون واعداً وأن هناك طفرة اقتصادية قادمة ستحدث في مصر وفي كل مكان، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث." يعتقد أمين أن الثورة قد أٌجهضت وضاع الحلم في التغيير لأن المجموعة التي تولت الحكم لم تهتم بتحديد منابع الفساد وتجفيفها. وذكر أمين: "لقد سادت نغمة العدالة الاجتماعية وأصبحت جزءً من الخطاب العام منذ أن قامت الثورة، إلا أن الوزراء على اختلاف مواقعهم لم يهتموا بهذه القضية على الإطلاق، مع وجود بعض الأمثلة الاستثنائية. فيجب علينا أولاً تحديد أسباب الفساد بالإضافة إلى أسباب غياب العدالة أولاً، وذلك لتطبيق العدالة الاجتماعية على الوجه الصحيح. فقد أيقن ناصر بمجرد توليه الحكم في أعقاب ثورة 1952 أن المشكلة الأساسية تكمن في النظام الإقطاعي، وقام في خلال أقل من شهرين بتطبيق نظام الإصلاح الزراعي. واختفى بالتالي النظام شبه الإقطاعي الذي كان سائداً، فقد شخص المرض وقام بعلاجه. والمشكلة الآن في زواج رأس المال بالسلطة، وهذا هو الحال منذ عهد السادات وحتى الآن. ولذا إذا كنا نريد حقاً وجود نوع من العدالة الاجتماعية في مصر، يجب علينا أولاً فصل رأس المال عن السلطة."
ذكر أمين أن أحد علامات الفساد المتفشي يتمثل في استمرار العمل بنظام الدعم، وهو ما يشكل أحد أكبر المشاكل التي واجهت الحكومات المتعاقبة على مدار أربعين عاماً. وقال أمين: "عندما تكون الحكومة فاسدة، فإن الإبقاء على نظام دعم السلع الأساسية يشكل أحد أيسر الطرق لتهدئة الشعب. فإذا قامت الحكومة بإلغاء الدعم أو تخفيضه بصورة كبيرة، يكون عليها عندئذ مواجهة مشكلة عدم العدالة في توزيع الدخل."
انتقد أمين أيضاً سياسة الاعتماد على القروض الخارجية. فقال أمين: "القروض الخارجية لا تعمل على حل المشكلة الاقتصادية بالمرة، هي فقط تؤجلها. فإذا أضفنا كافة القروض الخارجية وحسبناها، نجد أنها أقل من العائد السنوي للسياحة في عام واحد. والأهم من ذلك أنه يجب علينا رد الديون بالإضافة إلى الفوائد المحتسبة عليها، أما عوائد السياحة فهي لمصر بالكامل. فقد أدخلت السياحة في العام الذي سبق الثورة حوالي 11.5 بليون دولار؛ ولذا إذا عملنا بجد على إصلاح القطاع السياحي والقضاء على الفساد لن نكون بحاجة إلى الاقتراض من الخارج."
يرى أمين أن الساسة وصناع القرار لجأوا إلى تطبيق نظام الحد الأدنى والحد الأعلى للأجور وذلك لتفعيل العدالة في توزيع الدخل، وذلك في محاولة منهم للتغطية على عدم رغبتهم في مكافحة الفساد، ولتشجيع الاتجاه إلى توزيع الثروة بصورة عادلة، وأيضاً العمل على تنفيذ حزمة من الحلول المبتكرة فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي. وأضاف أمين: "الوقت غير ملائم الآن للحديث عن فكرة الحد الأدنى للأجور التي يستخدمها الساسة وذلك في ظل حالة البطالة السائدة. فنحن نحتاج الآن إلى خلق وظائف عمل جديدة. وإذا بدأنا في تطبيق سياسة الحد الأدنى من الأجور منذ الآن، نكون بذلك فتحنا باباً للتضخم وتفقد سياسة الحد الأدنى معناها للأبد. وأرى أنه يجب علينا أولاً حل مشكلة البطالة قبل الشروع في تطبيق سياسة الحد الأدنى للأجور. ونحن بحاجة إلى تشجيع الاستثمارات الخاصة وبحاجة أيضاً إلى توفير فرص عمل لمزيد من الناس، ومن ثَمَ ترتفع الأجور. فنحن بحاجة أولاً إلى مكافحة الفساد، وعندئذ سترتفع الأجور حتماً."
لقد ناقش أمين أيضاً التصريح الذي صدر مؤخراً بشأن الحد الأعلى والحد الأدنى للأجور بحيث لا يزيد الحد الأعلى عن الحد الأدنى بأكثر من خمسة وثلاثين مرة، وألا يتعدى الحد الأعلى للأجور بالنسبة لموظفي الحكومة مبلغ 42 ألف جنيه مصري في الشهر. وأوضح أمين أن تطبيق سياسة الحد الأعلى ما هو إلا تطبيق لنوع من الاستراتيجيات الخاطئة للقضاء على ظاهرة الاختلاف الرهيب بين دخول العاملين في مصر. وذكر أمين: "الأهم أن نعمل على محاربة هؤلاء الذين يحصلون على دخول ثابتة بدون القيام بأي شئ على الإطلاق، ففي كل المؤسسات والمنظمات نجد عدداً من الموظفين يجب محوهم على الإطلاق من خريطة العمل. وينبغي علينا مكافحة الفساد، لا فرض سياسة الحد الأعلى للأجور. فنحن اعتدنا على الفساد لأكثر من أربعين سنة، ومن الصعب علينا الآن ان نتخيل وجود مجتمع خالي من الفساد. وأرى أننا نستطيع القيام بذلك. فمعظمنا لا يتصف بالفساد، ولكن يتصف بقلة الحيلة."