تصنيف منخفض لمصر كنتيجة طبيعية لاقتصاد ضعيف ونظام إداري مترهل

وقد حصلت مصر على مرتبة متأخرة عن كثير من الدول في منطقة الشرق الوسط وشمال أفريقيا، وحصلت على المرتبة الأخيرة فيما يتعلق بجودة التعليم الأساسي. وصنف التقرير الخاص ببيانات أداء الأعمال لعام 2014 والذي تصدره مؤسسة التمويل العالمية مصر في المرتبة 128 من بين 189 دولة وذلك فيما يتعلق بالسهولة في أداء الأعمال وإنجازها.
يقول محمد الكومي، أستاذ مساعد في الاقتصاد: "من السهل جداً أن نلوم الثورة أو بالأحرى الثورات التي حدثت وحالة عدم الاستقرار السياسي التي نحياها وأن نلصق بهم ذلك الانخفاض الملحوظ في تصنيف مصر في مجال التنافسية العالمية، ولكن للأسف هذا هو العام الرابع منذ عام 2009 والذي تعاني فيه مصر من مثل ذلك الانخفاض. ففي عام 2010- 2011 انخفض التصنيف الخاص بمصر بمقدار 11 مرتبة لتحتل المرتبة رقم 81 ضمن 133 دولة على مستوى العالم. وانخفض التصنيف ثانية بمقدار 13 مرتبة لتصل مصر إلى المرتبة 94 في 2011- 2012، ثم انخفض التصنيف أكثر بمقدار 13 مرتبة أخرى لتصل إلى المركز 107 في 2012- 2013. وتبعاً لآخر تقرير انخفض التصنيف مرة اخرى بمقدار 11 مرتبة لتحصل مصر على المرتبة 118. ويقف ذلك الانخفاض السريع والمتلاحق الذي تشهده مصر منذ 2009 كجرس إنذار. وهذا يشير بالتأكيد إلى وجود بعض المشكلات العميقة والمتغلغلة في الاقتصاد المصري والموجودة منذ زمن بعيد والتي تفاقمت فقط من جراء ثورة 2011 والأحداث التي وقعت بعدها."
يرى أعضاء هيئة التدريس بالجامعة أن الأسباب الرئيسية التي تكمن وراء تلك التصنيفات المنخفضة المتوالية تتمثل في انعدام التطور في الجهاز الإداري الحكومي، وتفشي البيروقراطية، والتحديات الاقتصادية الماثلة، بالإضافة إلى وجود نظام تعليمي يضج بالمناهج العقيمة.
نظام إداري ضعيف يمكن القول أن أحد العوامل الأساسية في الحد من قدرة مصر على التنافس عالمياً يتمثل في وجود جهز إداري ضعيف. ويقول الكومي: "أرى أن أكبر التحديات التي تواجه مصر منذ فترة ليست بالقليلة يتمثل في وجود نظام إداري متخلف، ويظهر ذلك بوضوح في إدارة لا تتسم بأي نوع من الكفاءة ونظام مالي حكومي متهلهل. وتأثير ذلك النظام الإداري المتخلف يتضح بشدة عند النظر في أهم المشاكل التي تواجه قطاع الأعمال في مصر ألا وهي شيوع نوع من البيروقراطية في القطاع الحكومي بأكمله، وتفشي الفساد، وحالة عدم الاستقرار السياسي، واللوائح العقيمة التي تحكم النظام الضريبي، بالإضافة إلى وجود خلل واضح في الإمدادات الخاصة بالبنية التحتية." يذكر حميد علي، أستاذ مساعد في السياسات العامة، بعض العوائق التي يضعها النظام الإداري في مصر في طريق تطوير الأعمال: "يرجع تاريخ البيروقراطية الحكومية إلى عقود ديكتاتورية مضت، ونستطيع القول أن تلك البيروقراطية العقيمة كانت نافعة وفعالة في تلك العقود أما الآن فلا. وأرى أن إصلاح الجهاز الإداري الحكومي ضروريلتخفيض النفقات الخاصة بالصفقات التجارية. وينبغي للنظام الإداري الحكومي في مصر أن تدور فلسفته حول تقديم خدمات أفضل للمواطنين وحول الاستجابة بصورة أسرع لاحتياجاتهم ورغباتهم تحقيقاً للصالح العام، وذلك بدلاً من المزيد من تفعيل البيروقراطية الحكومية التي يتصرف القائمون عليها على أنهم السلطة الوحيدة في الدولة التي تفعل أي شئ وكل شئ لتحقيق مصالحها فقط." الإصلاح الاقتصادي لم يكن الجهاز الإداري في مصر هو وحده المسئول عن الصراعات الاقتصادية الحالية. ويذكر الكومي أن قطاع البنوك أيضاً في حاجة ماسة إلى التقويم والإصلاح. ويوضح الكومي: "يعيش أكثر من نصف المصريين تحت خط الفقر أو فوقه بقليل، وبالرغم من ذلك هم محرومون من أي خدمات مالية أو اقتصادية. فالبنوك لا تجد في الفقراء بغيتها، فهم لا يملكون من الدنيا إلا الحطام وبالتالي هم غير قادرين على سداد القروض والمعونات. وأرى أنه بدون وجود توافر نوع من الحوافز واللوائح المناسبة في قطاع البنوك في مصر تتيح التمويل لقطاع عريض من الشعب المصري، فإنه للأسف ستظل عملية التمويل محدودة ومقيدة." يقول طارق سليم، رئيس قسم الاقتصاد، أنه لكي تصل مصر إلى تحقيق نوع من الاستقرار الاقتصادي، يجب أن نضطلع بعملية إصلاح طويلة المدى تُعنى بتغيير الممارسات والسياسات الاقتصادية القديمة. ويقول سليم: "نحن الآن في مواجهة قضايا عديدة تحتاج إلى إجراء عملية تغيير هيكلية جذرية. وأجد أن قضية الدعم مثلاً هي إحدى القضايا الهامة التي يجب النظر فيها. فيوجد دعم لمواد الطاقة، ودعم للغذاء والماء، ودعم آخر للتعليم والصحة. وأرى أن التعليم قضية أساسية لأن الحق في التعليم مكفول للجميع بحكم القانون، ولكننا لا نجد لذلك سنداً حقيقياً على أرض الواقع؛ فمعظم الشباب لا يعملون في المجال الذي درسوه واكتسبوا بعض الخبرة فيه؛ ونجد أن عالماً مثلاً ينتهي به الحال ليعمل في أحد المصانع أو أن محاسباً يعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات. وهذا يوضح أن التنسيق منعدم بين سوق العمل وقطاع التعليم، وهما يمثلان اثنين من أهم دعائم الاقتصاد." يضيف سليم قائلاً: "نحتاج إلى نوع آخر من الإصلاحات الهيكلية فيما يتعلق بنظام المدخرات المحلية وعوائد الاستثمار. ونجد أن العائد على المدخرات منخفض لأن الدخل الأصلي للمودعين منخفض، وعندما يكون معظم الشعب فقير فإن معظم دخله يذهب إلى البنود الاستهلاكية لا إلى الادخار." يقول سليم: "أرى أن الدائرة الشريرة التي خلقها هذا النظام العقيم تتمثل في وجود مشكلة بطالة دائمة لأن معدلات الادخار المحلية أقل بكثير من المعدل اللازم للحفاظ على معدل توظيف معتدل، وفي النهاية نجد أن المدخرات تكون موجهة بالكلية ناحية الاستثمارات. وبما أننا لا نملك استثمارات كافية، نكون بالتالي غير قادرين على توفير وظائف كافية للناس." أحد الحلول المقترحة للخروج من هذه الدائرة يتمثل في التركيز بصورة أكبر على رفع معدل الاستثمارات الأجنبية المباشرة. ويوضح سليم: "للأسف نجد ان معظم الاستثمارات خاصة في الثلاثين سنة الأخيرة كانت متجهة ناحية تكثيف رأس المال لا ناحية تكثيف العمالة. نحن بحاجة إلى استثمارات حقيقية من شأنها تدعيم عملية التوظيف وتحفيز ودفع عجلة دورة رأس المال في قطاع البنوك، استثمارات تصب في قطاع التوريد والمشروعات الصغيرة وتزيد من فرص العمل." يعتبر سليم أحد المؤيدين والداعمين للامركزية في كل شئ. ويقول سليم: "ينبغي أن يكون لكل محافظة الحق في اختيار محافظها، وتحديد الميزانية الخاصة بها والحق في اختيار الهيئة التي تحصل الضرائب من مواطنيها، وينبغي أيضاً أن تحظى كل محافظة بالتمكين اللازم لاستغلال الموارد الطبيعية الخاصة بها. فإذا استطاعت كل محافظة أن تقوم بالتسويق لنفسها فيما يتعلق بقدراتها الخاصة والناتج الخاص بها ومواردها الطبيعية، عندئذٍ يمكننا القول أننا نجحنا في خلق نظام إداري واقتصادي أفضل. فهذا من شأنه خلق نوع من التنافس الشريف لأن كل محافظة في النهاية ستكون هي الرابح الوحيد لأنها ستبدع وتبتكر فيما هي متخصصة فيه. وبتلك الطريقة سيقفز قطاع التنمية الاقتصادية قفزة هائلة وهذا من شأنه تحقيق نتائج اقتصادية أفضل." يقترح سليم بالإضافة إلى تلك الإصلاحات المذكورة آنفاً التطلع إلى تحقيق ثلاثة أهداف هيكلية أخرى يرى أنها وثيقة الصلة بمستقبل مصر الاقتصادي ألا وهي: التركيز بصورة أكبر على الاستثمارات الخليجية؛ وبث رياح التغيير في القطاع العام بما في ذلك قطاع الدواء والنسيج وصناعة السيارات؛ وفي النهاية مكافحة الفساد. ويرى سليم: "أنا اعتبر أن الفساد هو نوع من المرض، وأرى أن العلاج الناجح يتمثل في استئصاله من جذوره قبل أن يستفحل ويستشري في الجهاز الإداري والاقتصادي بأكمله." رفع مستوى التعليم يرى بعض أعضاء هيئة التدريس بالجامعة أنه بالإضافة إلى ضرورة إجراء عملية إصلاح شاملة في المؤسسات الحكومية والمالية يجب إجراء إصلاح شاملة لمنظومة التعليم في مصر، فهي إحدى المشاكل الملحة التي تحتاج إلى حل لأنها ببساطة تعوق النمو الاقتصادي، فالنظام التعليمي العقيم لا ينتج إلا أفراداً غير قادرين وغير مؤهلين على الإبداع والتنافس في سوق العمل لأنهم يفتقرون ببساطة إلى أدني مستويات الكفاءة. يؤكد تيد بيورنتون، المديرالمشارك للشئون الأكاديمية الخاصة بالمبادرات الاستراتيجية والعميد المشارك لكلية الدراسات العليا في التربية، انعدام وجود الحوافز المناسبة لتقديم خدمة تعليمية رفيعة المستوى. ويذكر بيورنتون: "مرتبات المدرسين منخفضة والمجتمع لا ينظر إليهم بعين الاعتبار، لذا ما هو الحافز لديهم وما هو الدافع لإتباع تقنيات تعليمية رفيعة المستوى والإجادة فيها؟ وما الذي يدفعهم للتخلي عن الدروس الخصوصية التي يعتمدون عليها اعتماداً كبيراً في تحسين دخولهم وما الذي يمنعهم بالتالي من إهمال الرسالة التعليمية الأساسية التي يقدمونها؟." يعترف بيورنتون أن المشكلات المرتبطة بنظام التعليم في مصر أعمق بكثير من مجرد إعطاء المدرسين الحافز الكافي للتجويد فيما يقدمونه. ويؤكد بيورنتون: "النظام المسئول بأكمله له أخطائه أيضاً التي لا يمكن إغفالها، فبغض النظر عن الجهة التي تقدم للطلاب خدمة تعليمية متميزة- سواء كان الفصل الدراسي أو الدرس الخصوصي، نجد أن الغرض النهائي للتعليم هو صب المعلومات في مخ الطالب ليصبها هو بالتالي في ورقة الإمتحان. وبالرغم من أن الطلاب يجاهدون جهاداً كبيراً للاستفادة من النظام التعليمي القائم بأي صورة من الصور، نجد أنهم يدفعون أنفسهم في اتجاه لن يؤهلهم بالتأكيد للإبداع والتنافس في بيئة عملية حديثة منفتحة على العالم بأسره والبقاء فيها للأقدر." تذكر رزان حُزين، أستاذ ممارسة مشارك في كلية الدراسات العليا للتربية: "أرى أن نقص الموارد المتجهة ناحية دعم المنظومة التعليمية، والتعليم الأساسي على وجه الخصوص من شأنه إحداث خلل خطير في العملية التعليمية. فالاتجاه السائد يدعم فكرة أن المدرس الذي يقوم بتعليم الصغار في المرحلة الإبتدائية أقل أهمية من المدرس الذي يقوم بتدريس المراحل التالية، لذا فالمزيد من الموارد يصب في اتجاه المراحل التعليمية الأعلى." كيف نتحرك للأمام؟ إذا نظرنا إلى حجم ونوعية المشاكل المرتبطة بالقطاع الاقتصادي في مصر، نوقن في الحال أن حل تلك المشكلات العميقة بشكل جذري لن يكون بالأمر الهين. ويقترح بيورنتون إصلاح نظام الاختبارات وذلك فيما يتعلق بمنظومة التعليم في مصر: "أود ان أرى امتحانات تُعنى بقياس قدرات الطالب لا بقياس حجم المعلومات التي يحفظها، وتُعنى أيضاً بتنمية معلوماته وغرس روح المواطنة فيه، وهو ما أراه لازماً لإحداث نوع من المشاركة الفعالة في قطاع الأعمال وفي المجتمع ككل." يتفق الكومي أيضاً مع بيورنتون أن إصلاح منظومة التعليم من الأمور الهامة، إلا أنه أبرز ايضاً أهمية إجراء إصلاحات هيكلية في مؤسسات الدولة. ويقول الكومي: "نحن نحتاج إلى التركيز بصورة أكبر على إصلاح النظام الإداري في مصر والنظام المالي والاقتصادي العام، وهذا من شأنه حصد العديد من النتائج المبشرة على المدى القصير، وذلك بشرط ان نبدأ من الآن." يذكر علي أن المشهد الحالي يتسم بكثير من الضبابية؛ لكنه يرى أنه إذا شرعنا منذ الآن في اتخاذ العديد من القرارات الاستراتيجية لتحسين الموقف الحالي، سوف تتحسن قدرة مصر بالتأكيد على التنافس عالمياً وذلك خلال السنوات القليلة القادمة. ويؤكد علي: "الدولة تحتاج إلى إرساء بعض القرارات الاستراتيجية وتنفيذها وذلك فيما يتعلق بقطاع التنمية، والعدالة الاجتماعية، والاستراتيجيات الخاصة بخلق فرص العمل، وفوق كل هذا احترام سيادة القانون. فإذا نجحنا في تطبيق تلك الشروط، سوى نرى المزيد من التحسن والرقي في شتى المجالات."