صلاح عرفة يطبق نموذج التنمية المستدامة في محافظة الشرقية

اختير مؤخراً صلاح عرفة، أستاذ الفيزياء بالجامعة، مستشاراً علمياً لمحافظة الشرقية، وهو يركز في عمله بصورة أساسية على نقل التكنولوجيا لبث نوع من التطور الحقيقي في المناطق الريفية، والتطور لا يأتي عن طريق الفرض والإجبار من الخارج، بل يأتي عن طريق إشراك سكان المناطق الريفية في كل خطوة من خطوات عملية التطور.
يوضح عرفة: "نحن نصل إلى الناس ونعمل على حشدهم وتنظيم جهودهم عن طريق تكوين منظمات غير حكومية تقدم لهم أُطر عمل ملائمة. وبعد ذلك نبدأ في مرحلة تمكينهم، ومساعدتهم على تعلم كيفية إدارة منظمة من المنظمات، وبعد ذلك ينتقلون إلى مرحلة تعلم كيفية حشد آخرين، وكيفية تمكين قادة المنظمات، بالإضافة إلى اكتساب مهارات الكمبيوتر ومهارات الكتابة."
تتمثل مهمة عرفة الأساسية، كمستشار علمي للمحافظة، في حشد جهود المسئولين بالمحافظة، والخبراء، والجهات المحلية الفاعلة وجمعها لتصب في قالب واحد، ألا وهو خدمة المجتمع بمحافظة الشرقية. ويقول عرفة: "أرى أن المجتمع في الشرقية يملك كافة الخبرات والمهارات اللازمة، وكل ما علينا فعله هو إعمال نوع من التكامل في العمل. فنحن قادرون على فعل المعجزات بشرط أن تتوافر النوايا الطيبة."
تعود جذور عرفة إلى محافظة الشرقية، وقد شارك عرفة بجهود كبيرة لتنمية المجتمع في الشرقية منذ 1974، وذلك فيما أطلق عليه "رحلة العودة للجذور". ويبحث عرفة في كيفية استغلال الموارد الطبيعية لخلق مجتمعات صديقة للبيئة في المناطق الريفية، مما يكون له أكبر الأثر في تطوير قدرات وكفاءات سكان المناطق الريفية. ويعتبر مشروع البسايسة أحد أشهر المشروعات التي تبناها عرفة، وتعود نقطة انطلاق المشروع إلى السبعينات، وقد حاز المشروع شهرة كبيرة على مستوى العالم وذلك لكونه نموذج لأحد أنجح مشروعات التنمية المستدامة في مصر.
عندما بدأ عرفة مشروع البسايسة في 1974، كان يسافر إلى تلك القرية البعيدة كل يوم جمعة للعمل مع سكان قرية البسايسة في تحسين أحوالهم المعيشية. وقد نجح عرفة في استغلال الموارد الطبيعية للقرية ونجح في إشراك سكان القرية في عملية التنمية، وبذا نجح في خلق "اتجاه متكامل نحو التنمية". وقد تضمن برنامجه عقد دورات تدريبية في الزراعة، وفي كيفية الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية الخاصة بالقرية، بالإضافة إلى تقديم فصول لمحو الأمية، والعمل على غرس مفاهيم العمل الجماعي والتفكير الخلاق وبناء المجتمع ومحاولة تطبيقها على أرض الواقع. وفي 1983 أسس عرفة جمعيتين في البسايسة- واحدة كمنظمة تعاونية تعمل على توليد الدخل اللازم لتمويل المنظمة الأخرى التي تعمل في تنمية المجتمع المحلي. واليوم ظهرت ثمرة الجهود التي بذلها عرفة إلى النور وتحولت البسايسة من قرية فقيرة ومهمشة إلى مجتمع صديق للبيئة يعمل على تعزيز مفهوم التنمية المستدامة ويطبقه.
نجح عرفة، الذي انضم للجامعة في 1968، من خلال الحوار وبث روح الولاء في تشجيع سكان البسايسة على التعاون معه لخفض معدلات الأمية في القرية، وتعليم النساء، بالإضافة إلى تقديم التوجيه اللازم للشباب والفلاحين، وقد كان الهدف الأساسي من وراء ذلك كله هو رفع مستوى المعيشة في القرية. وبعد سنتين من العمل الدؤوب المتصل، بدأ طلاب الجامعة وأعضاء هيئة التدريس والموظفون في التعاون مع عرفة لتنفيذ مهمته. وقد استضافت الجامعة أكثر من 50 منظمة غير حكومية في اليوم السنوي لقرية البسايسة الذي يٌعقد في أبريل، وتعرض فيه منظمات من محافظات مختلفة إنتاجها من المشغولات اليدوية لإبراز مفهوم التنوع في مصر.
يوضح عرفة: "عندما عرف الناس بما أنوي عمله في البسايسة، انتقل الحماس إليهم وأصبحوا راغبين في المشاركة بحيث تُوجه جهودهم كلها ناحية إحداث نوع من التنمية المستدامة في المناطق الريفية. وفي النهاية وجد كل شخص شيئاً يستطيع من خلاله المشاركة ووجد أيضاً طريقاً للمشاركة في تحمل المسئولية الكلية للمشروع."
بدأ عرفة في 1992 تنفيذ مشروع آخر أطلق عليه البسايسة الجديدة، وهو مشروع خاص بمجتمع صحراوي في رأس سدر جنوب محافظة سيناء. تقع البسايسة الجديدة على بعد 200 كيلومتر من البسايسة القديمة وعلى بعد 190 كيلومتر من القاهرة، وتعتمد بصورة أساسية على الزراعة وتستغل حوالي 750 فدان أو قيراط. وقد نجح عرفة من خلال الجهود الجماعية وبالتعاون مع السكان الذين نزحوا من مناطق أخرى لبدء حياة جديدة في البسايسة الجديدة في إدخال تقنيات متطورة إلى القرية، مثل تقنية إعادة تدوير المخلفات الزراعية لإنتاج الغاز واستخدام الطاقة الشمسية لإنتاج الكهرباء والحرارة واستغلالها في أغراض التدفئة.
منحت جمعية الكتاب الخاصة بالبيئة والتنمية لقب رجل العام لصلاح عرفة وذلك في 2009 تقديراً لجهوده الكبيرة في مجال البيئة والتنمية، وكرمته الجمعية أيضاً لدوره العظيم في تحقيق نوع من التنمية المستدامة في القرى المصرية. وتقول سوزان زكي، السكرتير العام للجمعية في ذلك الوقت: "لقد كان صلاح عرفة أول من استخدم الطاقة الشمسية لخدمة المجتمعات الريفية وأول من لجأ إلى إعادة تدوير المخلفات الزراعية لإنتاج الغاز في القرى المصرية، وقد كان عرفة أيضاً أول من عمل على دعم قدرات الشباب في المناطق الريفية وأول من عمل على تمكين المرأة في المجتمعات الريفية من خلال تقديم الدورات التدريبية الملائمة وتوفير فرص العمل المناسبة لظروفهم الحياتية. اختير عرفة أيضاً كزميل لمؤسسة أشوكا في 2004.
الآن وبعد أربعين سنة من العمل الدائم في محافظة الشرقية، يقيس عرفة مدى تحول القرية عن طريق تقييم الأثر الإيجابي للمشروعات المقامة على سكان القرية. ويقول عرفة أن أكثر اللحظات التي شعر فيها بالفخر كانت عندما حضر مؤتمراً عن التصحر وقابل من خلاله نائب مركز أبحاث الصحراء الذي كان في الثانية عشر من عمره فقط عندما زار عرفة البسايسة لأول مرة في 1974. ويقول عرفة: "جائزتي الحقيقية تتمثل في معرفة أننا قادرين على تحويل المعتقدات التقليدية الراسخة وطرق التفكير القديمة التي رسخت على مدى السنين إلى أخرى إيجابية تلائم عملية التنمية المستدامة. وأعتبر أن ذلك في حد ذاته يمثل خطوة للأمام."