السياسات العربية بعد الثورات

يذكر مايكل سي هدسون، أستاذ زائر مرموق ومدير معهد الشرق الأوسط بجامعة سنغافورة الوطنية والأستاذ الفخري بجامعة جورج تاون: "أرى أن ما يحتاجه الشرق الأوسط في الوقت الراهن هو وجود قادة أقوياء ومسئولين وليسوا ديكتاتوريين ليتولوا مقاليد السلطة ويعيدوا الأمور إلى نصابها، كما يحتاج الشرق الأوسط أيضاً إلى تبني "صيغة شرعية" جديدة تحتضن آمال وأحلام الشعوب.
يقول هدسون: "وبالنظر إلى مجتمعنا الدولي الحالي والتقنيات الجديدة التي ظهرت على الساحة بالإضافة إلى كم الأحداث التي تعرض على الشعوب وكم المعلومات التي يملكونها، أرى أن وجود صيغة تشريعية فعالة من شأنه استيعاب كافة الفئات المهمشة، وتحجيم طبقة النخبة، بالإضافة إلى المساعدة على ظهور قيادات مستنيرة وقادرة. وأرى ايضاً أن ذلك يتضمن وجود قاعدة جيدة للحكم، وتوافر الشفافية، وتحقيق الهوية الوطنية، وشيوع مفهوم التعددية القومية، والتنعم بجو الحرية، بالإضافة إلى إمكانية حل القضية الفلسطينية."
ركز هدسون في واحدة من محاضراته الاثنتين اللتين ألقاهما بالجامعة والتي جاءت بعنوان "السياسات العربية بعد الثورات: البحث عن الشرعية" على النجاحات التي حققها تطبيق الصيغ الشرعية التي تبنتها الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالإضافة إلى الإخفاقات الأخيرة التي منيت بها وذلك منذ الخمسينات وحتى الآن.
يقول هدسون: "تعني الشرعية أن يكون لدى الناس في مجتمع سياسي واحد مفهوم عام واعتقاد مشترك أن نظام الحكم الذي يقودهم هو النظام الصحيح. وأرى ان غرس هذا المفهوم في قلوب وعقول البشر يحتاج إلى وجود مجموعة من الصيغ الشرعية والتي اعتمد عليها حكام منطقة الشرق الأوسط طويلاً لإقناع شعوبهم بمدى صلاحهم وأحقيتهم للحكم. لذا فأنا أتساءل ما هي الصيغ الشرعية الصالحة للتطبيق في الوقت الراهن؟ وذلك لأني ارى أن الصيغ القديمة ثبت فشلها ولم تعد مجدية في الوقت الحالي."
الصيغة الصحيحة ظهر المفهوم القائل بوجود أنواع من الصيغ الشرعية للحكم أولاً من خلال ماكس وبر، أحد علماء الاجتماع المعروفين وأحد الاقتصاديين السياسيين والذي أصدر مقالاً في 1992 بعنوان "الأنماط الثلاثة للحكم الشرعي". يوضح هدسون: "يقترح وبر أنه توجد ثلاثة أنماط رئيسية لتشريعات الحكم: قانونية، وتقليدية، وشخصية. ففي 1960 عندما كنت أدرس للحصول على الماجستير من جامعة يال، لم يكن هناك ذكر للديمقراطية بشكلها الحالي الذي نعرفه الآن. ولم يكن هناك مثل هذا النوع من التأكيد على ضرورة شيوع الديمقراطية بشكلها الحالي الذي يروج له صانعو السياسات والعلماء المهتمين بفكرة التحول إلى الديمقراطية. وإذا رجعنا إلى تلك الآونة نجد أن معظم قادة الدول في منطقة الشرق الأوسط في ذلك الوقت كانوا يتصفون بالتسلط والديكتاتورية، فكيف يمكن لقائد استبدادي أن يروج لاستمراره في الحكم ويبرره؟." كان هدسون دوماً يبحث عن إجابة لذلك السؤال وركز على ذلك بشدة في إصداره الشهير "السياسات العربية: البحث عن الشرعية" والذي ظهر لأول مرة إلى النور في 1977. واكتشف هدسون أن كثيراً من الأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية يمكن وضعها ضمن الأنظمة الملكية التقليدية التي يُتوارث فيها الحكم كما هو الحال في إمارات الخليج العربي، أما الجزء الباقي من الأنظمة الحاكمة فنجد أنه يستمد شرعيته بصورة أساسية من قوة شخصيات القادة القائمين على تلك النظم وتمتعهم بالجاذبية الشخصية. ويذكر هدسون: "نجد أحد أبرز الأمثلة على ذلك هنا في مصر ويتضح ذلك بشدة في فترة حكم جمال عبد الناصر. فعبد الناصر هو أحد القادة القلائل في منطقة الشرق الوسط في القرن الحادي والعشرين الذين يمكن وصفهم بأنهم من القادة الذين يتمتعون بشخصية قوية ومؤثرة. ويرى وبر أن حتى ذلك النوع من القادة من ذوي الشخصيات المؤثرة يعملون دائماً على إحكام السيطرة بصورة كاملة على شعوبهم، وذلك بغض النظر عما يفعلونه لتحقيق ذلك." يقول هدسون: "أنه يجدر بالذكر أن الصيغ التي تبناها قادة الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتقوية دعائم حكمهم في الخمسينات والستينات قد تلاشت بمرور السنين. فقد كانت مفاهيم الأمة العربية الواحدة، والقومية العربية، ودعم قضية فلسطين من ضمن المفاهيم الأساسية التي اعتمدت عليها الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة للترويج لحكمها، إلا أن ذلك لم يعد له وجود الآن." عندئذ والآن يقول هدسون:" يرجع الفضل إلى وجود نظم أمنية صارمة وآليات عسكرية قوية في معظم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بقاء القادة الديكتاتوريين على مقاعد السلطة لفترات كبيرة، وصاحب ذلك اختفاء الصيغ الشرعية اللازمة للحكم وتحقق ذلك بإشاعة الخوف والترهيب وتكميم الأفواه. فالصيغ الكلاسيكية القديمة للشرعية التي تطورت في حالة مصر في ظل حكم عبد الناصر كانت عبارة عن حكم يعتمد إلى حد كبير على الشخصية المؤثرة للحاكم وما يصاحب ذلك من تطبيق برنامج ايديولوجي كان له صدى كبير لدى الشعب المصري، وتضمن ذلك البرنامج المفاهيم التالية: رفض الإمبريالية، وترسيخ قيم الكرامة والاشتراكية، وتطبيق سياسة الإصلاح الزراعي. ونجد أنه بحلول 1970 كان ذلك النوع من الحكم ما زال مستمراً، إلا أن ذلك لم يكن يعني نجاح الصيغ الشرعية المطبقة. وبدأ نفوذ حكم الرمز يتلاشى، إلا أن دولة المخابرات لم تتلاشى أبداً. ونجد أن التفسير الوحيد لبقاء زعماء مثل القذافي، والأسد، وصدام حسين، والسادات، ومبارك في حكمهم لفترات طويلة يرجع إلى استنادهم إلى جهاز أمني قوي موجود أصلاً لحمايتهم وحماية مصالحهم." يذكر هدسون: "وبالنظر إلى الأحوال السياسية السائدة حالياً في المنطقة بعد حدوث ثورات الربيع العربي، نجد أن تلك الثورات كانت هي القشة التي قصمت ظهر البعير، أو ما يمكن أن نطلق عليه تفاقم الموقف العام وحدوث ثورات أفقدت الأنظمة الحاكمة شرعيتها. وحان الوقت لهؤلاء الذين ورثوا الحكم ليحاولوا تأسيس صيغ شرعية جديدة تتماشى مع آمال وأحلام الشعوب، وأرى أن عدداً قليلاً من دول المنطقة هو الذي اتخذ هذه الخطوة." يرى هدسون أن تونس هي أحد أبرز الأمثلة التي نجحت في إجراء نوع من التطوير المستمر على نحو ثابت، بينما بقيت ليبيا تعاني من التشتت والفوضى، وأرى ان مصر تعود للوراء. فالوضع في مصر يستحق الدراسة، فانحياز الشعب للشرعية تغير من مرحلة لأخرى بصورة كبيرة. فهؤلاء الذين كانوا ينادون بحكم جديد في 2011 هم نفسهم من رفضوا الحكومة الجديدة في 2013، وهم نفسهم من ينادون الآن بالاستقرار والاستقرار فقط في 2014، بغض النظر عن الطريق الذي يسلكونه لتحقيق ذلك." الاشتعال المفاجئ لثورات الربيع العربي إذا أخذنا كل العوامل المذكورة آنفاً في الاعتبار، فلماذا برأي خبراء منطقة الشرق الأوسط اشتعلت كل تلك الثورات في 2011؟ يوضح هدسون: "لقد عمت الدهشة أوساط المثقفين لأن التركيز كان دائماً منصباً على مراقبة الأنظمة الاستبدادية الحاكمة، وذلك بدلاً من النظر إلى ما يحدث تحت السطح. وكان الاعتقاد السائد أن تلك الأنظمة محصنة ضد أي نوع من الانقلاب، فلم نلاحظ كلنا أن هناك أشياء تعتمل تحت السطح، وأن هناك خطأٍ ما يشوب الشرعية الحاكمة وذلك بالرغم من تمتع النظام الحاكم بنوع من القوة الغاشمة." توجد أسباب أخرى تكمن وراء إغفال الخبراء في منطقة الشرق الأوسط لقضية التضاؤل والاضمحلال التدريجي للصيغ الشرعية التي تطبقها الأنظمة الحاكمة. ويذكر هدسون: "أولاً كانت الأنظمة الديكتاتورية متغلغلة ومترسخة وذلك بالرغم من الرفض الشعبي الشديد لها، وقد كان هو ذلك الحال بالضبط في منطقة الخليج الغنية بالبترول والتي استطاع حكامها شراء رضا الشعوب التي يحكمونها عن طريق المال، أما الدول التي يقل فيها إنتاج البترول فإنها لجأت لتعويض ذلك إلى الاستثمار بقوة في بناء مؤسسات أمنية وعسكرية قوية. فاستطاع الحكام الاستبداديون الاستمرار في حكم شعوبهم من خلال سياسة الترويع والترهيب أو على الأقل من خلال اللجوء إلى تقييد حرية الرأي وتكميم الأفواه وتجريم التجمعات والتظاهرات." يرجع استمرار الأنظمة الاستبدادية لفترات حكم طويلة أيضاً إلى دعم القوى الغربية. فيذكر هدسون: "الولايات المتحدة مثلاً استمرت في سياستها الداعمة بشكل كبير للأنظمة الحاكمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وذلك سواء من الناحية الاقتصادية أو الناحية العسكرية، ويرجع ذلك بصورة أساسية إلى حماية مصالح الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا." يرى هدسون أنه ينبغي للأوساط الثقافية أن تبدأ في التحول من مراقبة ما يحدث داخل الأنظمة الحاكمة إلى النظر بشكل أدق فيما يحدث في المجتمعات العربية في المنطقة. ويؤكد قائلاً: "ينبغي علينا أن ننظر بعين الاعتبار إلى المجتمع المدني وما يحدث فيه، ففي مصر مثلاً برزت قوى عديدة داخل المجتمع المدني خلال الثورة منها: قوى المرأة، والقوى العاملة، والشباب، وطبقة النخبة التقليدية. وقبل ثورة الربيع العربي، لم تكن حركات تلك القوى وتطلعاتها وآمالها تلقى أي نوع من التقدير. وأرى أن ما نتطلع إليه حقيقةً هو وجود نوع من اليقظة للحفاظ على الأهداف التي قامت الثورات الشعبية من أجلها." المرحلة القادمة يعتقد هدسون أن أكبر التحديات التي تواجه البلاد العربية فيما بعد ثورات الربيع العربي تتمثل في محاولة استعادة الاستقرار من خلال نوعية من الحكم المسئول يبعد كل البعد عن نوعية الحكم الاستبدادي الذي كان سائداً بالسابق، وتتمثل أيضاً في محاولة إعادة برمجة المجتمعات لخلق نوع من التواؤم ما بين القوى المتصارعة داخل تلك المجتمعات." ويعتقد هدسون أن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستتمكن بذلك من خلق أنظمة تتسم بمزيد من الشرعية والمسئولية، لذا فإن الشعب الذي يتساءل عن سبب طاعته للأوامر سيجد أخيراً إجابة شافية. في نهاية الأمر يشعر هدسون بتفاؤل شديد فيما يتعلق بمستقبل الدول العربية فيما بعد ثورات الربيع العربي. فهو يؤكد: "توجد بعض الشواهد على الساحة تدعو إلى كثير من التفاؤل، أولها يتمثل في ظهور عالم جديد متعدد الأقطاب يمكنه التأثير بصورة إيجابية في إمكانية تطوير أنظمة سياسية شرعية جديدة تتسم بالثبات والاستقرار. ويحول تأثير وسائل الإعلام على الجماهير دون تطور اتجاهات استبدادية جديدة للحكم، أما حكومات ما بعد الثورة لن تتسم بالقوة والجبروت الذي كانت عليه الحكومات سابقاً، إنما ستكون أكثر استجابة لمطالب الشعب وأكثر حرصاً على تنفيذها وخاصة فيما يتعلق بمحاسبة المسئولين، وضرورة رضاء الشعب عن آداء الحكومة، بالإضافة إلى إشراك الشعب في عملية صنع القرار. الصورة: هدسون (إلى الشمال) يتحدث بحرم الجامعة بالقاهرة الجديدة، مع كليمنت هنري، رئيس قسم العلوم السياسية بالجامعة.