الطريقة الصحيحة لإحلال السلام الدائم

كثفت الأمم المتحدة من جهودها الرامية إلى إجراء جولة ثالثة من المحادثات، خاصة بعد أن وصل عدد القتلى في سوريا إلى مائة وأربعة وأربعين ألف شخص. وتذكر أليسون هودجكينز، مدرس في مادة الأمن الدولي وتسوية المنازعات، أن تلك المحادثات ستفشل حتماً إذا لجأت إلى الطريقة التقليدية لحل المنازعات وتسوية الصراع والتي تتمثل في نزع السلاح الذي يتطلب أن تسلم الجماعات الثورية أسلحتها في مقابل إجراء إصلاح سياسي.
تقول هودجكينز: "من الواضح أن اتفاقية السلام بسوريا سوف تبدأ بالوصول إلى اتفاق مع الجماعات الثورية المسلحة يقضي بأن تضع تلك الجماعات السلاح، وأن تتوقف عن حشد الميليشيات وتخفيض أعدادها وذلك في مقابل وعد من الرئيس الأسد بإجراء إصلاحات سياسية."
ليست هذه هي الطريقة الصحيحة لإحلال نوع من السلام الدائم. وتقول هودجكينز: "إذا كنا نريد حقاً السلام، فيجب أن يحتفظ الطرف الأضعف بسلاحه. ففي الصراعات غير المتكافئة نجد دائماً ان وعود الفريق الحاكم بإجراء إصلاحات سياسية أو إقامة الحكم الذاتي تعتمد دائماً على موافقة الفريق التابع على وضع السلاح ووقف عمليات التعبئة، مما يقضي على الأمل في الحصول على بعض المكاسب السياسية. وأرى أن مجئ الوعود بإصلاحات سياسية مشروطاً بنزع السلاح من شأنه إثارة الشكوك بين الطرفين، وزيادة حدة الأزمة الأمنية، بالإضافة إلى تقوية احتمالات عودة الصراع والعداوات."
تقول هودجكينز: "ففي حالة سوريا إذا ربطنا نزع السلاح بإجراء إصلاحات سياسية وأصبح هذا مشروطاً بذاك، أعتقد أننا بذلك لن نصل إلى أي نتيجة إيجابية لأن نظام الأسد سوف يؤخر بالتأكيد تنفيذ أي وعود بالإصلاح السياسي. وأرى أن مصداقية عملية المصالحة بأكملها سوف تتضاؤل بذلك، وأننا سنشهد بالتأكيد عودة إلى الصراع المسلح مرة أخرى."
قامت هودجكينز بالتعاون مع حميد علي، أستاذ مساعد في السياسات العامة، بدراسة العديد من حالات تسوية النزاع المسلح في الفترة من 1945 إلى 2002 ووجدا أن شروط نزع السلاح كانت موجودة تقريباً في معظم اتفاقيات السلام التي باءت بالفشل، وانتهى الحال باستئناف الأطراف المتفاوضة للصراع المسلح. وتوضح هودجكينز: "يوجد اتجاه عام لدفع الأطراف المتنازعة إلى الدخول في اتفاقيات سلام لا يمكن أن يصدقها عقل، لأن الوعود بإجراء إصلاحات سياسية وإقامة الحكم الذاتي جاءت مشروطة دائماً بقبول بعض النصوص التي تقضي بنزع السلاح. ففي حالة اتفاقيات أوسلو، مثلاً، وافقت إسرائيل على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد للسلطة الفلسطينية في المفاوضات وعلى الانسحاب من الضفة الغربية طالما التزمت منظمة التحرير الفلسطينية باتفاقيات نبذ العنف، ووافقت أيضاً على تطبيق الاتفاق على كل العناصر المرتبطة بمنظمة التحرير الفلسطينية ومنع أي انتهاك لبنود تلك الاتفاقيات. وبالتدريج أصبح المعنى الوحيد لتلك الاتفاقيات منع أي انتهاك من جانب الفلسطينيين في الأراضي المحتلة."
يعتبر الوصول إلى حل ضمن تلك الاتفاقيات من المهام الصعبة وذلك لأنه من الصعب على طرف ضعيف أن يضع سلاحه في مواجهة الآلة العسكرية للدولة، لأن السلاح في هذه الحالة سيكون هو أداة الوصول إلى تسوية وتحقيق بعض المكاسب السياسية. وتقول هودجكينز: "إذا لم تتحقق تلك المكاسب السياسية على وجه السرعة، يزداد الضغط على الطرف الضعيف التابع لتبرير التنازلات التي قدمها ويصبح نهباً للفصائل المتطرفة. وبالرغم من أن تلك الاتفاقيات تهدف بالأساس إلى زيادة الأمن وتقليل الاثار السلبية للعنف، فإن النتيجة، يا للعجب، تأتي على عكس ذلك ويفتقد الطرف الحاكم الأمن والأمان أكثر فأكثر."
ترى هودجكينز أن مثل ذلك النوع من الاتفاقيات يمنح "الجماعات المتطرفة التي تفسد في الأرض" المزيد من القوة، وتعجل من عودة الفرق الانتحارية والجماعات المتطرفة. وكما حدث في اتفاقيات أوسلو، فإن تطبيق الامتيازات الحدودية مقابل تحقيق الأمن كان يعني حرفياً أن قنبلة انتحارية واحدة تقوض عملية السلام من الأساس."
تقول هودجكينز أن نتائج تلك النوعية من الاتفاقيات الرامية إلى تسوية النزاع المسلح والتي تشترط نزع السلاح أولاً كانت غير مجدية. وتوضح هودجكينز: "معظم جهود المجتمع الدولي الرامية إلى تسوية النزاعات الدولية تمركزت حول المبادئ الأساسية للسيادة، وعندما تبدأ في حل صراع بين أي دولتين نجد أن أول شيء تفعله يتمثل في وقف إطلاق النار. وعندما نتكلم عن صراع داخل حدود الدولة نفسها، نجد أننا نغفل حقيقة هامة وهو أن وقف إطلاق النار لن يكفل الأمن للجماعات المتمردة، لذا فإنه من الصعب على تلك الجماعات الالتزام بشرط وضع السلاح."
فما هو الطريق الذي يجب أن نسلكه للوصول إلى تحقيق السلام؟ ترى هودجكينز أن هناك العديد من اتفاقيات السلام الناجحة التي أُبرمت في الماضي ولم تتضمن شرط نزع السلاح. وأبرز الأمثلة على ذلك اتفاقية الجمعة السعيدة التي أبرمت في 1998 وكانت تهدف بالأساس إلى إنهاء حالة العنف القائمة بين الجماعات الجمهورية الأيرلندية والجيش الجمهوري الأيرلندي والذي طالب بالحكم الذاتي لأيرلندا الشمالية وفصلها عن الأطراف المتحدة التي كانت راضية بالبقاء تحت مظلة الحكم البريطاني.
تذكر هودجكينز: "في هذه الاتفاقية كان نزع السلاح متزامناً مع عملية الإصلاح السياسي، فقد كانت هناك بعض الأساسيات التي انطلقت منها الاتفاقية منذ البداية فقد كان على الجيش الجمهوري الأيرلندي فعل كذا وكذا، إلا أن الاتفاقية لم تبدأ بشرط وضع الجيش الجمهوري الأيرلندي السلاح على أن تبدأ الأطراف المتحدة عندئذٍ في إجراء الإصلاحات السياسية الموعودة."
إذا بدأت عملية نزع السلاح بالتزامن مع عملية الإصلاح السياسي، فإن ذلك من شأنه تأكيد الحاجة إلى التعاون ودعم الثقة المتبادلة. وتقول هودجكينز: "وبذلك نجد فريقين عندما ينظر كلٍ منهما إلى الآخر يجد تقدماً في تنفيذ الشروط المتفق عليها. فالجيش الجمهوري الأيرلندي شرع في القيام ببعض الأشياء إلا أنه لم يتخل عن سلاحه بالكامل، وذلك حدث بالتزامن مع الشروع في إجراء بعض الإصلاحات السياسية. وليس معنى ما أقوله أن السلام والمصالحة تحققا بالكامل في أيرلندا الشمالية، فقد كان هناك المزيد من القضايا التي تحتاج إلى حل وكان هناك الكثير من الإحباطات، إلا أن هذا هو حال عملية تسوية الصراع والمنازعات. فالذي تراه لا يمكن أن تقول عنه إلا أنه انتكاسة وعودة إلى الوراء، إلا أنه عند تقييم الأمور بشكل عام نجد أننا نجحنا."
اكتشفت هودجكينز أن تلك الأمثلة الناجحة قليلة للغاية لأن معظم التسويات المتفاوض عليها تعتمد بالأساس على الحل التقليدي ألا وهو نزع السلاح، حتى في حالة الصراعات الداخلية. وتقول هودجكينز: "يجب أن نعمل على تغيير هذا الاتجاه وذلك النمط في التعامل مع عملية تسوية النزاعات، وذلك إذا أردنا تجنب العنف وتقليله. فالحروب في عالم اليوم معظمها حروب صغيرة، نجد فيها طرفاً يتمتع بقوة مفرطة وطرفاً آخراً يتسم بالضعف. فالجماعات المسلحة لا تملك حقيقةً القوة الكافية لتغيير الموقف، إلا أنهم يستطيعون بالتأكيد تنغيص الحياة لفترات طويلة. واتفاقيات السلام الخاصة بالقضاء على تلك الصراعات مهيأة بامتياز للفشل، ولا تؤدي إلا إلى مزيد من القتل والترويع. وإذا تمكنا من تحديد الأخطاء الشائعة التي تتكرر في هذا النوع من اتفاقيات السلام، فإننا سنتوصل بالتأكيد في خضم هذه الإيحاءات السياسية إلى مزيد من التسويات وإلى تقليل خطر العودة إلى الحروب مرة أخرى."