الكمبيوتر يفكر ويرى

يقول محمد مصطفى، أستاذ مساعد بقسم علوم وهندسة الكمبيوتر: "أعتقد أن الأجيال الجديدة من بطاقات الرقم القومي لن تحتوي على رمز كودي فحسب، بل ستحتوي أيضاً على علامات حيوية مبرمجة تتضمن معلومات عن بصمة الأصبع ومعلومات أخرى عن ملامح الوجه وحتى قزحية العين. ويوجد بالفعل جواز السفر المميكن الجديد الذي يحتوي على شريحة متناهية الصغر مطبوع عليها صورة للوجه أو صورة لقزحية العين أو بصمة الأصبع. وهذا من شأنه تمكين الأشخاص من دخول البلاد بدون المرور على ضباط المنافذ الحدودية."
أصبحت الحاسبات في عصر الذكاء الصناعي الذي نحياه قادرة على التفكير مثل الإنسان تماماً، وقادرة أيضاً على الإحساس وفهم البيئة المحيطة، ناهيك عن قدرتها الأساسية على التفاعل. يركز الباحثون، مثل مصطفى، الذين يعملون في مجال الرؤية الحاسبية على تطوير الاستجابة والقدرات التحليلية للكمبيوتر وتحسينها، وتزويد الحاسبات بالقدرات اللازمة لتأدية المهام المطلوبة التي تجعل حياة البشر أيسر وتتسم بمزيد من الأمان، وذلك بدءً من أداء الأعمال المنزلية وتشغيل أنظمة الأمان بالمطارات والمنازل وأماكن العمل ووصولاً إلى جمع البيانات الخاصة بالبيئات الخطرة مثل حقول الألغام ومناطق التقلبات المناخية الشديدة ومناطق الكوارث. وتستطيع الحاسبات الذكية جمع المعلومات من المناطق النائية البعيدة أو المحيطات أو حتى في الفضاء الخارجي على نحو يتسم بالسلاسة والفاعلية يفوق كثيراً العمل الذي يمكن أن ينجزه فريق عمل بشري في ذات المجال.
يوضح مصطفى: "تحاول خاصية الرؤية الحاسبية تقليد خاصية الرؤية في الإنسان، والتي لا تقتصر على الرؤية والمشاهدة فحسب بل تمتد لتشمل فهم ما يراه الكمبيوتر وتفسيره. وتعتبر الكاميرا بمثابة مجس الاستشعار الذي نعتمد عليه والذي نحاول من خلاله تقليد عمل العين البشرية؛ إلا أن خاصية الرؤية المتعلقة بالكمبيوتر لا تقلد عمل العين البشرية فحسب بل تقلد أيضاً عمل المخ الإنساني عن طريق السوفت وير الذي نعمل على تطويره لتحليل الصور التي تلتقطها الكاميرا."
يعمل العلماء في مجال الرؤية الحاسبية على فهم كيفية عمل العين البشرية بهدف تطوير حلول لمشكلة فقد الإبصار أو ضعف الرؤية عند الإنسان. ويهدف بعض من هؤلاء العلماء إلى عمل تكرار أو استنساخ للنموذج البشري. ويذكر مصطفى: "الأمر يشبه تماماً الإنسان الآلي الذي نراه في الأفلام، فإذا توافرت لدينا الحاسبات الذكية التي يمكنها القيام بكثير من المهام الخطرة أو الصعبة نكون بذلك قد جنبنا الإنسان الكثير وأحسن مثال على ذلك نراه فيMars Rover وهو الحاسب المتجول في كوكب المريخ والذي يقوم بتحليل مكونات الأرض والصخور في كوكب المريخ الذي يشكل بيئة يستحيل على الإنسان العيش فيها. وتستطيع الحاسبات الذكية ايضاً الكشف عن الألغام الأرضية وإزالتها.
بالإضافة إلى ما سبق ذكره، نجد أن خاصية الرؤية الحاسبية يمكن استخدامها في نظم الأمان التي تعتمد على القياسات الحيوية التي تقوم بتحديد خصائص الجسم البشري للإنسان. ويقول مصطفى: "نجد ضمن القياسات الحيوية للجسم البشري تسجيلاً لبصمة الأصبع مثلاً أو تحديداً لملامح الوجه أو تصويراً لقزحية العين. ونستطيع تصوير كل الخصائص البشرية السابقة بالكاميرا. ويعتبر الوجه هو أسهل جزء في جسم الإنسان يمكن تصويره لأن الأمر لا يحتاج أي نوع من التفاعل مع المستخدم، وبذلك نستطيع التقاط صورة للوجه البشري بدون علم الشخص برغم أن الأمر من الناحية الأخلاقية يتطلب إعلامه بموضوع الصورة. والأمر هنا يختلف عن موضوع بصمة الأصبع، فالشخص عند أخذ بصمة أصبعه فإنه يجب عليه وضع أصبعه على مجس استشعار لتسجيل البصمة، وفي هذه الحالة يوجد نوع من التفاعل البشري. أما في حالة الوجه، فما عليك إلا وضع كاميرا وضبطها وهي تستطيع التقاط صور لوجوه الناس أثناء مرورهم بدون أن يشعروا، والوجه كما نعلم يحوي الكثير من المعلومات والأحاسيس والبيانات."
بينما نجد أن الكاميرا تستطيع بسهولة التقاط صورة للوجه البشري، يفتقر تحديد الكمبيوتر لملامح الوجه البشري إلى الدقة. ويؤكد مصطفى: "أرى أن الوجه البشري تميزه مجموعة من الأحاسيس والمشاعر والتغيرات تبعاً لعوامل السن والحياة كما أنه يتفاعل مع الأضواء أو الأوضاع المختلفة. توجد عدة حلول حسابية للتعرف على ملامح الوجه وتحديدها وصولاً إلى معالجة المشكلات المرتبطة بالإضاءة، وتعابير الوجه،وملامح الوجه وما يعتريها من تغيرات. فنجد أن بعض الحاسبات الذكية تتسم بالبساطة والسهولة أكثر من غيرها ونجد أيضاً أنها تكون حساسة لعوامل السن والتغير في ملامح الوجه أكثر من غيرها، بينما نجد البعض الآخر يتسم بمزيد من التعقيد ويركز على مناطق الوجه التي تكون عرضة للتغير بشكل أقل من غيرها، مثل المنطقة التي تحيط بالأنف.
يمثل القياس الخاص بقزحية العين أحد القياسات الحيوية التي تتسم بالدقة الشديدة، وفي الوقت نفسه نجد أن التقاط صورة لقزحية العين يتسم بالصعوبة والتعقيد الشديد. ويذكر مصطفى: "أعتقد أن أكثر القياسات الحيوية دقة هو القياس الخاص بالحمض النووي، إلا أني أرى أن قزحية العين يعتبر من أكثر القياسات الحيوية دقة التي يمكن إجرائها بالعين المجردة، بمعنى أنه إذا كان لدينا قاعدة بيانات تحتوي على مليون صورة لأناس معروفين وكان لدينا صورة لقزحية العين فإن احتمال تحديد الصورة الصحيحة من بين المليون صورة تصل نسبته إلى أكثر من 99% بالمائة وذلك إذا طبقنا كافة القواعد اللازمة لالتقاط صورة صحيحة لقزحية العين. فلا تتشابه أبداً قزحية لشخص مع قزحية عين شخص آخر، ويعتبر التقاط صورة لقزحية العين أسهل بكثير من التقاط صورة لبصمة الأصبع وذلك بالرغم من أننا نحتاج إلى كاميرا مزودة بتقنيات عالية لالتقاط صورة لقزحية العين ونحتاج أيضاً إلى وقوف الشخص على مقربة شديدة من الكاميرا وذلك لالتقاط الصورة على النحو الصحيح.
نجد أن أشهر مثال على ذلك هو قصة الفتاة اللاجئة إلى أفغانستان التي نُشرت صورتها على غلافNational Geographic عندما كانت في الثانية عشر من عمرها. فقد تم العثور على تلك الفتاة بعد نشر هذه الصورة بحوالي عقد من الزمان، وساعد برنامج مختص بتصوير قزحية العين على التعرف على هذه الفتاة وتحديد هويتها. وبالنظر إلى دقة الصورة الملتقطة لقزحية العين وانعدام احتمالية تعرض القزحية لأي نوع من التغيير، يتوقع مصطفى أن دول عدة ستبدأ فعلياً في تطبيق آلية تحديد الهوية عن طريق قزحية العين. ويقول مصطفى: "يوجد حالياً بعض الأجهزة الحديثة وبعض السيارات الفخمة تكون مجهزة بمجسات استشعار للتعرف على مالكها عن طريق بصمة الأصبع، إلا أنني أتوقع أن المستقبل سيكون للتعرف على هوية الشخص عن طريق قزحية العين لأنه ببساطة أكثر دقة."
يلزم لبرامج الكمبيوتر أن تكون قادرة على تحديد أن "ما تراه" يخص شخص حقيقي وصولاً إلى تقليد عمل الحاسة البصرية في الإنسان على النحو الصحيح. وبينما نجد أن البيانات الخاصة بالقياسات الحيوية تتسم بمزيد من الأمان يفوق كثيراً اللجوء إلى استخدام كلمة مرور، نجد أيضاً أن هناك احتمال قائم أن يتم تضليل الكمبيوتر عن طريق شخص بحوزته فيديو مصور بكاميرا عالية الوضوح، ويمكن للكمبيوتر أيضاً أن يخطئ في تحديد هوية الشخص عن طريق صورة الوجه أو بصمة الأصبع. وهذا ما يطلق عليه النصب وانتحال الشخصيات، وهذا هو بالضبط ما يحاربه كل من يعمل في مجال الرؤية الحاسبية مثل مصطفى. ويقول مصطفى: "نحن نعمل الآن جاهدين للتفرقة بين قزحية عين حقيقية وقزحية مزورة. فكيف يمكن لك أن تفرق بين صورة للوجه يحملها شخص ويضعها أمام كاميرا عالية التقنية وصورة أخرى حقيقية مأخوذة بالكاميرا على النحو الصحيح؟ وكيف يمكن التفرقة أيضاً بين الصورة الحقيقية وصورة أخرى مسجلة ؟ وما هو الحال إذا كان لديك بوابة لا تُفتح إلا عن طريق التعرف على قزحية العين، فما هو العمل اللازم لمنع شخص ما تمكن من الاستيلاء على صورة لقزحية المالك وقام بتصميم عدسات لاصقة مطابقة لرسم قزحية الشخص الأصلي وارتداها ليتمكن من الدخول؟
يشعر مصطفى بالتفاؤل حيال مستقبل التعرف على الهوية وتحديدها عن طريق القياسات الحيوية، وهو يعكف حالياً على إجراء مزيد من البحوث في مجال السوفت وير الخاص بالرؤية الحاسبية، وهو ما يعني صياغة معادلات حسابية وتنفيذها للكشف عن هوية الشخص والتعرف عليه عن طريق الوجه وقزحية العين بالإضافة إلى استغلال السوفت وير على النحو الأمثل لجعله يتسم بمزيد من السرعة والدقة ويستطيع العمل ضمن أجهزة أصغر مثل أجهزة المحمول مثلاً. ويقول مصطفى: "أرى أنه في المستقبل القريب ستكون الغلبة للقياسات الحيوية في مجال التعرف على هوية الأشخاص وفي مجال الحماية الشخصية. فمنذ عشر سنوات كان من الرفاهية امتلاك تليفون محمول مزود بكاميرا، والآن كل التليفونات المحمولة مزودة بكاميرا. وأنا أتوقع نفس المستقبل لأجهزة الاستشعار الحيوية."