صقور العاسوق لأول مرة فى أفريقيا

اكتشفت منة مجاهد، طالبة بالسنة الثالثة بالجامعة بقسم الأحياء، وريتشارد هوث، مدرس لغة بقسم البلاغة والتأليف وواحد من رواد علم الطبيعة في مصر، مكان العش وبدأت العناية به منذ تلك اللحظة. واشتركت مجاهد مع هوث في دراسة تلك النوعية من الطيور، وتعاون معهم أيضاً آرثر بوس، مدرس علم الأحياء المائية والطبيعة.
يقول بوس: "يعتبر صقر العاسوق من الطيور المعروفة في أوروبا ويزداد انتشارها كلما اتجهنا إلى الصين وجنوب شرق آسيا وأفريقيا. وتُجرى الأبحاث الخاصة بهذا الطائر حتى الآن في أوروبا فقط، لذا فنحن نعتقد أن العناية بطائر العاسوق داخل حرم الجامعة ربما يساهم ولو بشكل يسير في جمع مزيد من المعلومات عن ذلك النوع من الصقور. ووجود هذا النوع من الطيور داخل حرم الجامعة يتيح لنا معرفة المزيد عن كيفية تطبيق تلك المعلومات في مصر. ونحن نتوقع أنه نظراً لاختلاف البيئة في مصر بشكل كامل عن البيئة التي تتواجد فيها تلك الطيور في أماكن أخرى من العالم، فإن طريقة تغذية تلك الطيور ستكون بالتأكيد مختلفة- أي أنها ستتغذى على أنواع مختلفة من الفرائس، ويختلف أيضاً سلوكها فالمناخ هنا شديد الحرارة وربما يؤدي هذا إلى قلة سكون هذه الطيور في أعشاشها بخلاف الحال في أوروبا. ويعتبر عش العاسوق الموجود داخل حرم الجامعة بمثابة حقل تجارب وفرصة بحثية كبيرة، ويمكن أن يسهم وجوده في زيادة المعلومات المتاحة عن ذلك النوع من الطيور بشكل كبير وفي تدعيم خاصية التنوع البيئي التي يتصف بها حرم الجامعة بالقاهرة الجديدة."
أما بالنسبة لمجاهد، فهذه هي المرة الأولى التي تحتك فيها مباشرة بمثل هذا النوع من التجارب التعليمية. وتقول مجاهد: "أنا حالياً أدرس مادة تتعلق بسلوك الحيوانات، لذا فإنه من المثير للاهتمام دراسة كافة المفاهيم والافتراضات. وأنا مهتمة بإجراء أبحاث في مجال البيئة وسلوك الحيوانات، لذا فإن العناية بصقر العاسوق داخل حرم الجامعة يعتبر بمثابة تجربة عملية لي. وأنا سعيدة جداً لقيامي بهذا. فهي تجربة مختلفة ومثير للاهتمام وسوف تساعدني بالتأكيد خلال مشواري العملي في المستقبل."
يعتبر صقر العاسوق التقليدي،Falcon tinnunculus، واحداً من أصغر الطيور التي تنتمي إلى الجوارح في مصر. والأنثى أكبر في الحجم قليلاً من الذكر، ويوجد بينهما القليل من الاختلافات فالذكر له رأس وذيل رماديين ومؤخرة سوداء بينما نجد أن لون الأنثى في معظمه بنياً مع وجود خطوط طولية باللون الأسود ويوجد على ريشها عدد أكبر من النقاط عن الذكر. وتعيش صقور العاسوق وحيدة معظم العام، إلا أنها تختلط خلال موسم التزاوج مع وليف واحد فقط.
نصب فريق العمل كاميرا أمام عش العاسوق لمراقبة سلوكه عن كثب. فيوجد حالياً خمس بيضات ترقد عليها الأنثى لتفقس. وتبدأ الكاميرا في النقر بمجرد احساس مجس الاستشعار بأي حركة داخل العش ويقف النقر بمجرد سكون الحركة. وتراجع مجاهد اللقطات يومياً. ويذكر بوس: "نحن نريد أن نكتشف نوعية الفرائس التي يتغذون عليها هنا في مصر والتي ولابد أن تكون مختلفة عن تلك النوعية الموجودة في أوروبا، فهم في أوروبا يتغذون على الثدييات الصغيرة وفي معظم الأحيان يكون غذائهم على القوارض والطيور. ولا يوجد لدينا الكثير من القوارض هنا."
لاحظ الفريق أن الذكر والأنثى يتغذون بصفة أساسية على السحالي التي يحضرها الذكر للأنثى التي ترقد على البيض. ويقول بوس: "أرى أن لغة الحوار والتواصل بين الذكر والأنثى مثيرة للاهتمام، ونحن نقوم بتسجيل الأصوات التي يصدرونها. ونحن عادة نسمع الذكر يصرخ، ونرى أن الأنثى تتحرك أكثر من الرجل. فهي تذهب إلى مدخل العش منتظرة الطعام الذي يحضره الذكر."
لاحظت مجاهد أن الأنثى تفرض بعض العقوبات في حالة فشل الذكر في احضار الطعام لها. وتذكر مجاهد: "لاحظت في يوم من الأيام أن الأنثى كانت تشعر بالجوع الشديد، وجاء الذكر بدون طعام. فبدأت الأنثى في الصراخ في وجهه بأعلى صوتها، وأيقنت انها تصرخ في وجهه لتقول له: أين كنت؟ أنا جائعة! ثم غادرت العش لتبحث عن الطعام على حسب ظني، ثم عادت مرة ثانية ورقدت على البيض لفترة من الوقت حتى وصل الذكر ومعه الطعام. وأعتقد أن الأمر كله لم يستغرق أكثر من ساعتين حتى أحضر الذكر الطعام. لقد تعلم الدرس."
بالإضافة إلى مراقبة العلاقة بين الذكر والأنثى، يأمل الفريق في تحديد اتجاهات أكبر في سلوكيات الطيور وذلك خلال المراحل المختلفة للإنجاب، بدايةً من انتظار البيض ليفقس والعناية بالمواليد الجدد وحتى يحين الوقت لمغادرة العش. وعندما بدأ الفريق في تسجيل ملاحظاته في 10 أبريل، كانت توجد بيضتان فقط في العش. ويذكر بوس: "نحن نريد أن نعرف ما إذا كان هناك تغير في السلوك باختلاف المراحل التي تمر بها الصقور، لذا فإذا كان لدى الأنثى بيضة واحدة، هل يختلف الحال عندما يكون لديها خمس بيضات كما هو الحال الآن؟ هل يتغير سلوك الأنثى عندما يكون البيض في طريقه إلى الفقس؟ هل ترقد لفترات أطول على البيض في تلك الحالة؟ وأعتقد أنه يلزم لنا دراسة الصور بدقة كبيرة. فالأنثى تتصرف بطريقة مختلفة خلال كل مرحلة من المراحل، لذا علينا أن نقوم بعمل تقييم لسلوك الطائر خلال كل مرحلة."
تذكر بعض البحوث السابقة أن فترة رقود أنثى العاسوق على البيض تتراوح من 27 إلى 29 يوماً، وتتبعها فترة تتراوح بين 27 إلى 32 يوماً تبقى فيها الأفراخ في العش للحصول على الرعاية. ويمكن أن تقصر فترة احتضان البيض عن المدة المذكورة نظراً لارتفاع درجات الحرارة في مصر بشكل كبير عنها في أوروبا التي تصل فترة الحضانة فيها إلى أربعة أسابيع. وتذكر مجاهد: "حالياً أنا أرى أن الأنثى ترقد على البيض وتعتني في نفس الوقت بالعش، فهي تقوم بتنظيم كل شيء طوال الوقت."
لا يحاول فريق العمل التدخل في طريقة تصرف العاسوق خلال أي مرحلة من المراحل ليظهر سلوكه الطبيعي الأصلي. يذكر هوس: "أنا أرى مباشرة كل شيء أتعلمه خلال الفصل الدراسي يتحقق على أرض الواقع؛ فأنا لاحظت كيف أن معظم الذكور لا تتزوج إلا بزوجة واحدة وأنها تبقى ملاصقة لزوجاتها، وكيف أن الذكر يساعد أنثاه خلال فترة حضانة البيض وكيف أنه يرعاها خلال فترة التزاوج، ولاحظت أيضاً ان هناك اختلاف واضح بين شكل جناح الذكر وشكل جناح الأنثى."
يأمل هوس أن تستمر صقور العاسوق في التعشيش بمنى الإدارة خلال الفصول القادمة. وتتزاوج الطيور خلال فصل الربيع. ويذكر هوس: " ما نفعله الآن هو مجرد مراقبة زوجين من العاسوق وتسجيل ملاحظات عليهما، لكننا لسنا متأكدين ان تلك الظواهر والسلوكيات تنطبق على بقية صقور العاسوق في مصر. وهم في العادة يحضرون إلى نفس المكان خلال العام التالي، لذا أرى انه علينا إعداد خطة للعام القادم لأنه سيكون لدينا بالتأكيد ملاحظات أخرى يمكن مقارنتها بملاحظات العام الحالي. واعتقد أنها ستكون دراسة شيقة."
الصورة: أنثى العاسوق تحمي عشها بحرم الجامعة.