ريم بسيوني تدرس الهوية المصرية من خلال اللغة

ننظر إلى اللغة دوماً باعتبارها وسيلة للتواصل، وأداة لتوضيح الاتجاهات وإعطاء الأوامر، وسبيل لإلقاء الخطب والالتقاء بالبشر. أما بالنسبة لريم بسيوني، أستاذ مساعد في اللغويات التطبيقية، فاللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب بل هي وسيلة الإنسان الأساسية للتعبير عن الهوية وخصوصاً أثناء وقت الصراعات والحروب.تقول بسيوني: "اللغة تعبر عن جوهرنا الحقيقي، فهي يمكن أن تكون وسيلة تصنيفية لها القدرة على تحديد أوصافنا وما يميزنا، مثل وصف المصريين على أنهم الأشخاص الذي يتحدثون العربية. وأنا أعتقد أن اللغة يمكن أن تكون أيضاً وسيلة فعالة للتعبير عنا وعن ما تكنه صدورنا."
تقول بسيوني في كتابها الذي صدر مؤخراً، اللغة والهوية في مصر الحديثة، أن اللغة تُستخدم في العامية المصرية لخلق هوية جماعية معينة. واكتشفت بسيوني، من خلال دراسة عشرات الأغاني الوطنية، والأفلام، والمواقع الإلكترونية، وبرامج التوك شو، والمقالات الصحفية، والروايات بدءً من مطلع القرن العشرين وحتى 30 يونيو 2013، أن اللغة تلعب دوراً محورياً في بناء الهوية، وخاصة فيما يتعلق بتحديد من هو "المصري الأصيل" ومن ليس كذلك.
توضح بسيوني: "إن الهدف الأساسي من بناء هوية محددة هو تحديد من ينتمي إلى المجتمع الكبير الذي يسمى مجتمع "المصريين" ومن لا يمت إليه بأي صلة. وأرى أن هناك عدة متغيرات تحكم هذا الموضوع منها اللغة، والأعراق، والشعبية، والسمات الشخصية، والميول الأخلاقية، وأرى ان كل تلك العوامل تكون بمثابة معيار للتضمين أو للإقصاء. ويزخر هذا الكتاب بالعديد من الأمثلة التي سقتها للتعبير عن ما سميته "عرض لنموذج الإقصاء- التضمين" الذي يقوم به الأشخاص في أثناء تواصلهم باللغة العامية. ويمكن تعريف ذلك بأنه نموذج يوضح الأشخاص من خلاله انتمائهم أو عدم انتمائهم إلى مجتمع بعينه، ويوضحون أيضاً من خلاله مواقفهم تجاه الآخرين ونظرتهم إليهم باعتبارهم ينتمون إلى هذا المجتمع وهذه الأمة أو لا ينتمون إليهما. ويستخدم الأشخاص بعض المتغيرات الاجتماعية بما فيها اللغة لتوضيح مواقفهم."
لتوضيح تلك النقطة على وجه التحديد، ذكرت بسيوني كيف أن بعض الموالين لثورة 25 يناير حاولوا أثناء أحداث الثورة وصف بعض المحتجين في ميدان التحرير على أنهم لا ينتمون إلى الشعب المصري الأصيل وذلك لتحدث بعضهم بالإنجليزية، لذا فقد اعتبروهم "ليسوا بمصريين" أو لا يمثلون "الشعب المصري الحقيقي." وتقول بسيوني: "أرى ان هذا المنطق المعادي للغة الإنجليزية متغلغل في المجتمع المصري بوجه عام، وهو منطق مغلوط. فنرى كثيراً من المصريين يجيدون اللغة الإنجليزية ويعلمونها لأولادهم، إلا أنه عندما يُضبط شخص يتحدث بالإنجليزية نرى أن هويته المصرية مشكوك فيها."
رأى الثوار بالتالي أنهم هم وحدهم من يمثل الشعب المصري الأصيل وذلك لتمكنهم من اللغة العربية، ومن ثم نجد أن عامل اللغة ظهر من جديد للتعبير عن الهوية. وأشارت بسيوني إلى الشاعر المصري هشام الجخ الذي ألف قصيدة وألقاها في برنامج أمير الشعراء بتليفزيون أبو ظبي وجاءت باللغة العربية الفصحى وليست العامية تأكيداً للهوية المصرية الأصيلة الموجودة في ميدان التحرير." فيذكر الجخ: "أنا الآن أتحدث بلغة لا هي اللغة الإنجليزية ولا هي اللغة العامية المصرية، بل أتحدث باللغة العربية الفصحى وأعبر عما فيها من جماليات وقوة."
تذكر بسيوني أن هذه القصيدة واللجوء إلى استخدام اللغة العربية الفصحى التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقرآن الكريم والفقه الإسلامي والقانون المدني يعتبر بمثابة دليل الأصالة. وتقول بسيوني: "كان على الجخ أن يلجأ إلى استخدام اللغة العربية الفصحى لتأكيد أن المحتجين كانوا أوفياء لقضيتهم وأوفياء لمصر. وأرى أن الثوار في مصر من خلال هذه القصيدة استخدموا اللغة لتأكيد أنهم هم وحدهم من يمثل "الشعب المصري الأصيل."
ترى بسيوني أن ذلك حدث بسبب احتواء اللغة العربية على الكثير من الدلالات والتشبيهات الموحية. ونرى أنه في مواقف بعينها تكون اللغة العربية معبرة عن الأصالة، بينما نجد أن المصري الذي يتحدث الإنجليزية قد يثير الاحترام أو يثير الشك.
يمكن أن نصف هذا المفهوم بأنه عميق ويمتد فيما وراء مجرد استخدام مصطلحات بعينها لينطبق على تفاصيل أصغر، مثل نوعية اللغة النحوية التي يستخدمها الشخص في كلامه. فقد وجدت بسيوني مثلاً في عدد كبير من الأغاني الوطنية أن المغنيين يلجأون دائماً إلى استخدام ضمير الغائب بدلاً من استخدام ضمير المخاطب وذلك للإشارة إلى المستعمر أو المعتدي. وهذا ينطبق على أغنية أم كلثوم "مصر تتحدث عن نفسها"، عندما تشير مصر إلى المستعمرين باستخدام ضمير الغائب للجمع، وينطبق أيضاً على أغنية "يا حبيبتي يا مصر" التي غنتها شادية التي وجدنا فيها أن الشخص الذي لا يفهم المصريين بحق يُشار إليه بضمير الغائب المفرد. وتؤكد بسيوني: "أرى ان التلاعب بالضمائر هذا مقصود ومتعمد ويهدف إلى تدمير المعتدين الذين لا يكنون الود والتعاطف للشعب المصري، بينما نجد أن الأغنية في ذات الوقت تذكر أفراد الشعب أو الأطراف الخارجية المتعاطفة مع الشعب بكثير من الود. وبذلك نجد أنه حتى اللجوء إلى استخدام تركيبات نحوية بعينها كان يهدف لتوضيح من هو المصري الأصيل ومن هو الدخيل. وأرى بذلك أننا نوظف المصادر اللغوية لتوضيح مواقف ونظريات بعينها وذلك من خلال الوقوف في موقع الحكم."
تأمل بسيوني أن يتيح هذا البحث لغير المصريين فهماً أعمق للمفاهيم التي تحكم المصريين والتصرفات الخاصة بهم. وتوضح بسيوني: "أرى انه من المهم لغير المصريين أن يعلموا الكثير عن الطريقة السائدة للحديث فى مصر، وذلك لأن الغريب قد يراك تتسم بالعداونية أو حتى بالغرور إذا لم يكن على دراية بسياق الأحاديث التي تدور أمامه في أي بلد من البلدان. فعندما تستوعب ذلك، تجد نفسك قادراً على تفسير تصرف البشر الذين تتعامل معهم في مواقف بعينها وتستطيع أن تجد سبباً للقرارات التي يتخذونها. وبذلك يسهل عليك التعامل مع غيرك من البشر. وآمل أن يساهم هذا البحث في تسهيل عملية التواصل بين البشر من مختلف الثقافات. وأرى أنه من المهم للمصريين أن يفكروا ملياً في كيفية تعلمهم للأشياء. فأنت تعرف من أنت، لكن يبقى أن تعلم الكثير عن الآلية التي أوصلتك لتكون "من أنت الآن"."