"قوة التصميم" بين مستقبل العمارة ومرض التوحد

A sensory garden model based on the Autism Design Index
A sensory garden model based on the Autism Design Index
image
Drawing for the Advance School for Developing Skills of Special Needs Children in Qattameya, Cairo, the first building worldwide to be designed using the Sensory Design Theory and its consequent Autism ASPECTSS Design Index. Image Courtesy of Progressive

في عام 2002، توجهت مجموعة من الآباء إلى ماجدة مصطفى، أستاذ مساعد في قسم العمارة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، لطلب منها القيام بتصميم أول مركز تعليمي في مصر للأطفال المصابين بالتوحد. كانت مصطفى تشعر بحماس شديد لبدء العمل، وكانت تعتقد أن الأمر سيكون يسيراً لاعتقادها أنها ستجد الكثير من الأبحاث والإرشادات حول كيفية تصميم المباني الخاصة بالأفراد المصابين بالتوحد. ولكنها تفاجأت بعدم توافر أي مواد بحثية على الإطلاق، فلم يقم أي مهندس معماري في مصر أو في أي مكان آخر حول العالم بالبحث ملياً أو بوضع منهجيات منظمة قائمة على الأدلة في هذا الموضوع.

ومن ثم، تحولت مفاجأة مصطفى إلى موضوع رسالة دكتوراة جديدة لها، حيث كرست العقد التالي للإجابة على هذا السؤال: ما هو المبنى المعماري المناسب للأفراد المصابين بالتوحد؟

Magda

وبعد إجراء مقابلات مع الآباء والمدرسين وأفراد مصابين بالتوحد وإقامة حلقات نقاشية، وإجراء البحوث التجريبية واستطلاعات الرأي، قامت مصطفى بوضع دليل خاص بالإرشادات المتعلقة بتصميم هذه المباني في عام 2013، ويعد هذا الدليل Autism ASPECTSS Design Index أول فهرس في العالم يحدد معايير للتصميم المعماري تسمح للمصابين بالتوحد للتركيز بصورة أفضل وتمكنهم من تحسين مهاراتهم من خلال التفاعل بشكل أكثر فاعلية مع المكان المحيط بهم.

تقول مصطفى "إن هذا الدليل لا يحتوي على رموز، لكنه عامل مساعد للتفكير في كيفية تصميم المباني للأفراد المصابين بالتوحد."

ted talk

وقد أصبحت النتائج البحثية التي توصلت إليها مصطفى باستخدامها هذه المعايير أول دليل حقيقي على مستوى العالم يوضح أن التصميم المعماري يمكن أن يساعد الأفراد المصابين بالتوحد.

وتضيف مصطفى "لقد تضاعف انتباههم، وقل زمن استجابتهم وتحسن مزاجهم السلوكي بشكل كبير."

إن الأفراد المصابين بالتوحد يشعرون بإحساس مضاعف تجاه أي شيء، فأي صوت أو حركة أو لون يكون متضخماً بالنسبة لهم. إلا أن كل هذه المتغيرات يمكن التحكم فيها في بيئة مصممة تصميماً جيداً ومناسباً. يقدم الفهرس مقترحات لكيفية تقليل الحمل الزائد على مختلف الحواس، على سبيل المثال، أن تكون المساحة ذات ألوان هادئة وأشكال بسيطة وإضاءة طبيعية وصوت خافت في الخلفية.

ومن الجوانب الأخرى التي يضعها الفهرس في الاعتبار تسلسل الترتيب المكاني spatial sequencing، الذي يركز على عدم تعطيل روتين الفرد والاستفادة مما يحب القيام به وتوفير مساحات يمكنه الجلوس والاستراحة فيها، وضمان قيامه بالانتقال بشكل سلس من مكان إلى آخر.

"إن التوحد هو مجرد طريقة مختلفة لرؤية العالم. وبرغم اختلافها، فهي ليست أقل من الطريقة التي نرى نحن بها العالم. إن فهم واستيعاب الأمر بهذا الشكل، يمكننا التصميم بناءً على ذلك،" وفقاً لمصطفى.

map
ASPECTSS Global Impact Map
 

وقد عادت مصطفى مؤخراً من دبلن بإيرلندا، حيث كانت المتحدثة الرئيسية في الرابطة الوطنية للتوحد بإيرلندا National Autism Association of Ireland – AsIAm، كما زارت فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث تحدثت في مركز إلس للتوحد Els for Autism Center of Excellence، والذي ساعدت في تصميمه. وبالإضافة إلى العديد من المحاضرات التي تلقيها، تشارك مصطفى في مشروعات في جميع أنحاء العالم وتقدم الاستشارات للمدارس والمؤسسات الخاصة، وتعمل مع مدارس في الولايات المتحدة الأمريكية والخليج العربي وأوروبا بشكل مباشر. وفي الوقت الحالي، يتم تطبيق الفهرس في مشروعات عديدة في خمس قارات ويتم تدريسه في مدارس مختلفة في 17 دولة. يقدم الفهرس عدد كبير من الإرشادات واللوائح الخاصة بتصميم مباني مناسبة للأفراد المصابين بالتوحد، ويجري حالياً دراسة تطبيقه كمبادرة داخل الجامعات في جميع أنحاء إيرلندا. وتهدف مصطفى إلى جعل الجامعة الأمريكية بالقاهرة مركزاً للأبحاث في هذا المجال.

ساهمت أبحاث مصطفى في عدة تطبيقات عملية حول العالم من أهمها المدن التي تهيئ بيئتها لتكون صديقة للأفراد المصابين بالتوحد وكذلك المستشفيات التي استخدمت الفهرس لتغيير مساحات المرضى لجعلها مهيئة للمصابين بالتوحد. حينما كانت مصطفى في دبلن، أخبرها طبيب مصاب بالتوحد "لا يمكن أن يقول مهندس معماري أن تصميماته يمكن أن تنقذ الأرواح، ولكن فهرس ASPECTSS سيساهم في تأسيس مباني يمكن أن تنقذ الأرواح فعلياً." وقد أوضح مناصرو التوحد رغبتهم في إضافة هذا الفهرس في تشريعات عديدة في المستقبل.

تقول مصطفي "أؤمن أن المصممين المعماريين لديهم مسئولية تصميم بيئات تيسر على الجميع حياتهم. ويجب أن يتمتع الجميع بإمكانية الانتقال عبر مساحات تكون مريحة وآمنة ويسهل العيش بها."

وتذكر مصطفى أن الفهرس يجب ألا يكون دليلاً صارماً لتصميم المساحات لأن الأفراد المصابين بالتوحد سيتعين عليهم التواجد في بيئات لا تتناسب معهم في الخارج. وتضيف أنه ينبغي تطبيق المعايير إلى الحد الذي يسمح بإحداث تحسن تدريجي لمهارات الأفراد إلى أن يبدأوا في الشعور بالراحة في البيئات غير المصممة لهم.

 وتضيف مصطفى "من خلال قوتنا في التصميم، سيتمتع الأفراد المصابون بالتوحد بحق إنساني أساسي وهو التواجد في بيئة تساعدهم على العمل بأفضل طريقة ممكنة، ويمكن أن يساعدنا فهرس ASPECTSS في القيام بذلك."