حوار مع رئيس الجامعة الجديد

مع بدء العام الدراسي الجديد، يتحدث فرانسيس ريتشياردوني، رئيس الجامعة الأمريكية بالقاهرة، عن أولوياته وأهدافه للفصل الدراسي الأول له بالجامعة ورؤيته للمستقبل.

عقب توليك مهام منصب الرئيس الثاني عشر للجامعة، ما هي أولوياتك في الفترة القادمة؟

يأتي في مقدمة أولوياتي مقابلة والتعرف على أفراد مجتمع الجامعة من طلاب، وهيئة تدريس، وعاملين، وآباء. حيث أرى أن وجود الجامعة يتشكل من خلال مشاركة وتضامن وترابط هذه الدوائر الأربعة الموجودة هنا، بالإضافة إلى دائرتي الخريجين وأعضاء مجلس الأوصياء والذين ينتشر أعضائهما حول العالم وهما دائرتان في غاية الأهمية.

ما هو الأمر الأكثر أهمية الذي تتطلع إليه خلال أول فصل دراسي لك هنا بالجامعة؟

تحدثت مع قادة اتحاد الطلاب في أول يوم لي هنا بالجامعة، وأتطلع كثيراً للتجول معهم داخل الحرم الجامعي للتعرف على طلاب آخرين وذلك لأن الطلاب هم محور اهتمام هذه المؤسسة التعليمية. كما أود أن أتعرف على باقي أفراد مجتمع الجامعة وهم في أماكن عملهم. لذا، أنوي القيام بزيارة مواقع الصيانة، ومرافق الحرم الجامعي، وبالطبع، فصول الدراسة، والمعامل، والمكتبة، والمرافق والملاعب الرياضية، وأي مكان تتم فيه عمليات التعلم والتدريس. سأقوم بمقابلة أعضاء هيئة التدريس والآباء، وسأعمل على التواصل مع الخريجين وداعمي الجامعة الكرام في مصر وحول العالم. فإن كل من الآباء والخريجين هم جزءً لا يتجزأ من كيان الجامعة، فهم يهتمون بأمر هذه المؤسسة ونحن نود أن نشعرهم بارتباطنا بهم.

ماذا سيكون اهتمامك الأول كرئيس للجامعة؟

تعزيز الشعور بوحدة وتماسك مجتمع الجامعة. يأتي مجتمع الجامعة، والحفاظ على حيويته وقوته وتأثيره في العالم، في مقدمة أولوياتي، وهذا ما أتى بي إلى هنا. يجب أن يشعر كل شخص هنا بالجامعة بأنه جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع الكبير سواءً كان في مصر أو في أي جزء آخر من العالم. يجب أن يشعر الطلاب، وأعضاء هيئة التدريس، والعاملون، والآباء أنهم جميعاً على نفس القدر من الأهمية وأننا نعتمد كلنا على بعضنا البعض. كما أرى أنه يجب توجيه تركيزنا على مسئولياتنا ومهامنا وليس فقط حقوقنا، وكيف يمكننا أن نسهم في صناعة المستقبل وما يمكن أن نضيفه للجامعة الأمريكية بالقاهرة، وما يمكن أن نضيفه من خلال الجامعة لمصر، والمنطقة العربية، والعالم.

ما هي السمة الأهم التي يجب أن تتحلى بها الجامعة في الفترة القادمة من تاريخها؟

استندت الجامعة على مدار القرن الماضي على ثلاث ركائز هامة يجب وأن يستمر الاعتماد عليهم ونحن على مشارف دخول القرن الثاني للجامعة، وتلك الركائز هي: الهوية، والاستمرارية، والتميز.

ما هو تعريفك للتميز؟

إذا أردنا استخدام كلمة واحدة لوصف الجامعة وما نود أن نصبو إليه في المستقبل، فهي التميز، التميز في كل ما نقوم به ونقدمه، والتميز فيما نحن عليه. والتميز هو أن تكون بارزاً ومتفرداً، إذ يُعرف التميز بأنه الاستثناء عن القاعدة والخروج من دائرة كل ما هو عادي أو سائد. يتطلب التميز التزاماً وبذل جهداً مضنياً من قبل الأفراد والمجتمع ككل، بالإضافة إلى موارد مالية ضخمة للغاية. فالتميز نادر وباهظ الثمن، وهذا هو ما نقدمه هنا بالجامعة. كما يعني التميز التركيز على الشخص بشكل متكامل، وذلك من خلال تدريب الطلاب ليصبحوا مؤهلين عالمياً وقادرين على المنافسة والابتكار والعطاء وعلى التركيز على محاسبة وتطوير أنفسهم أكثر من التركيز على الآخرين. إن شهادة التخرج التي يحملها خريجو الجامعة الأمريكية بالقاهرة تعادل أي شهادة جامعية أخرى من الولايات المتحدة الأمريكية فيما تعنيه عن إمكانات الخريج حيث يتقن خريج الجامعة اللغة الإنجليزية كأنها اللغة الأم، ويتمتع بالقدرة على التفكير بشكل تحليلي ومبتكر ولكن في إطار من التركيز والتخصص لإيجاد طرق جديدة للقيام بالأشياء. فخريجو الجامعة الأمريكية بالقاهرة يسعون لكل ما هو جديد ومبتكر ولا يهابون التغيير، بل بالعكس، فهم يرون أن التغيير ليس فرصة لتحديد المخاطر فحسب، وإنما هو فرصة لتحسين وتطوير أنفسهم ومؤسساتهم وبلدانهم. فدائماً ما ينظرون لما هو أبعد من فكر الجماعة المتعارف عليها. وحينما نقول التميز، فإننا نصف كل ما يميزنا: طلابنا، إنتاجنا التعليمي، وسلوكنا، أخلاقيتنا، وقيمنا.

ما الذي يجعل هوية الجامعة فريدة من نوعها؟

تفتخر الجامعة بتميزها في التقريب بين أفضل ما في الشرق والغرب.إن موقع الجامعة في القاهرة، أم الدنيا، والتعليم الليبرالي المعتمد على التفكير النقدي والتحليلي على النهج الأمريكي، هما ما يعطيان الجامعة هويتها المتميزة. فإن الجامعة الأمريكية بالقاهرة جامعة عالمية على أرض مصر حيث تمثل بوابة للمصريين من مختلف الاتجاهات، ليس فقط لتعلم اللغة الإنجليزية، وإنما أيضاً لتعلم ماذا يحدث في العالم الخارجي: من علوم، وآداب، وموسيقى، وفن، وأديان مقارنة، واقتصاد، وأعمال، وأفكار، وابتكارات. كما أن الجامعة تمثل أيضاً نافذة العالم لمصر وبصفة خاصة للأمريكيين. إن هويتنا كالجامعة الأمريكية بالقاهرة هي ثمينة للغاية حيث تمكنت الجامعة من الصمود أثناء القرن العشرين المليء بالاضطرابات بفضل الدعم الذي تلقته الجامعة من أجيال من المعلمين، والطلاب، والآباء، وأعضاء مجلس الأوصياء، والخريجين، وأصدقائها الكرام. إنه لتقدير وشرف كبير لي أن أكون الرئيس الثاني عشر للجامعة، لهذا الإرث الضخم من الخدمة، وأن أقود الجامعة في القرن الثاني لها بمشيئة الله. معاً، علينا أن نواصل تعزيز هذه الهوية والحفاظ عليها.

كيف نحافظ على هوية الجامعة التي ظلت راسخة على مدار 100 عام؟

إن الأمر يتعلق بالاستمرارية، التي تعتبر جوهر هوية مصر أيضاً، التي تمتلك ثقافة وحضارة قديمة وراسخة قدم الإنسانية نفسها. وتعتمد الاستمرارية بدورها على الاستدامة، وهي عنصر لا يمكن أن تستهين به أي مؤسسة إنسانية. إن وظيفتي كرئيس الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مثل حال رؤساء جميع المؤسسات الأمريكية غير الهادفة للربح، هو مواصلة جمع الهبات والمنح من الأفراد الذين يؤمنون بأن كل جيل يحمل مسئولية مشتركة نحو الجيل التالي، وأن دعم التعليم المتميز هو أفضل وأكثر الطرق تأثيراً في القيام بهذه المسئولية عبر الأجيال. فعلى مستوى الأفراد، يقوم كافة الآباء بتحمل تلك المسئولية، ومن ثم فإن إهدائهم لأبنائهم وبناتهم تعليماً بالجامعة الأمريكية بالقاهرة يعد تجسيداً متفرداً بل وبطولياً لهذه المسئولية. فإن جميع الطلاب الملتحقين بالجامعة يتلقون هذه الهدية الثمينة التي يمنحها إياهم آبائهم، كما أنهم يتمتعون أيضاً بثمرة عطاء الكثيرين الذين قاموا بدعم الجامعة في الماضي ويستمرون في ذلك. وأتمنى أن يبدأ الطلاب بدورهم في تقبل هذه المسئولية المتناقلة عبر الأجيال وأن يردوا الصنيع لمجتمع الجامعة بجميع السبل الممكنة.

لقد قبلت هذه المسئولية من واقع الحب لأنني أعتقد أن الجامعة مكان فريد يستحق الدعم والجهد لما له من أثر إيجابي على هذه المنطقة من العالم الثرية والمحورية والديناميكية والمليئة بالاضطرابات أيضاً. ونحن على مشارف القرن الثاني للجامعة، يجب أن نقوم بوضع وتطبيق أنظمة العمل بما في ذلك من خلق لثقافة الإدارة الدقيقة والعطاء بسخاء، وذلك من أجل تعزيز وتجديد وتنمية مواردنا.

مع إعداد الخطة الاستراتيجية للجامعة التي تحدد أولوياتها وهي على مشارف الاحتفال بمئويتها، لا يزال الطلاب هم محور التركيز. في رأيك، ما هي أهم الميزات التي يجب أن يتسم بها خريجو الجامعة؟

أعتقد أنها الإيثار والقدرة على الخدمة والعطاء. حيث ترتبط قيمة الإنسان بقدرته على العطاء وخدمة الآخرين. فإن من أبرز سمات النضوج هي قدرة الفرد على  إيثار الغير على النفس وأن يكون طرفاً نشطاً في المجتمع.

امتد عملك الدبلوماسي على مدار أعوام طويلة من الخدمة المتميزة في منطقة الشرق الأوسط، متضمناً عملك كسفير للولايات المتحدة الأمريكية في مصر لمدة ثلاثة أعوام. بالإضافة إلى ذلك، لدى زوجتك الدكتورة ماري ريتشياردوني، المتخصصة في علم الأحياء الجزيئي، باع طويل في مجال الصحة في منطقة الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، وتركيا حيث تدير برامج التعاون لمنطقة الشرق الأوسط في مركز الصحة العالمية التابع للمعهد الوطني للسرطان بالولايات المتحدة الأمريكية. ما هي أفضل الذكريات العزيزة عليك في مصر؟

أنا وماري نشعر وكأن مصر هي موطن لنا. نحن نشعر بارتباط عميق مع الوطن والشعب المصري. أثناء عملي كسفير، كنت دائماً أقول أنه يجب على الجميع زيارة مصر. تتميز مصر بتاريخ عريق وهي تعد من أقدم الحضارات على وجه الأرض. فمصر ليست مكاناً لدراسة الماضي فحسب، وإنما هي مكاناً لتطوير العلوم للمستقبل. إن مصر هي الاستمرارية، والدوام، والاستدامة. فقد شهدت مصر الكثير من التقلبات، ومرت بحلو الحياة ومرها، من احتلال أجنبي، وحروب، وثورات، انهيار إمبراطوريات، وأسر حاكمة جديدة، وفترات عظيمة لنهضة الفن، والعلوم، وإحراز نمو وتقدم. لقد بدأت الإنسانية هنا عند نهر النيل.

ماذا الذي يجذبك إلى مصر؟

الدفء الذي يشعرك به شعب مصر. فالطيبة والضيافة موجودة لديهم بالفطرة. أثناء إقامتي في مصر مع ماري وابنتي، فرانشيسكا وكيارا، كان يتم استقبالنا بترحيب ودفء شديدين في كل مكان، سواءً كانت صحراء، جبال، مخيمات، مدن، أحياء، أو بيوت. من أكثر الذكريات الحية في ذهني الصعود إلى مآذن من العصر المملوكي في مدينة القاهرة، وحضور موالد مثل مولد السيد البدوي في مدينة طنطا كل عام، ومقابلة الطلاب الحاصلين على منحة برنامج إعداد وتنمية القادة وآبائهم في بعض المحافظات. أنا أحب مصر. أنا لا أشعر بالراحة هنا فحسب، وإنما أشعر بالسعادة والدفء والأمان أيضاً. يؤلمني أن أرى أن بعض الأجانب يشعرون بالقلق المجيء لمصر لأن لديهم فكرة خاطئة تجاهها، وتجاه العالم العربي والإسلامي بصفة عامة.

كيف يمكننا معالجة مثل هذا الوضع؟

لدى مصر تاريخ عريق، ويلزم على المصريين إطلاع العالم عليه بأنفسهم. يمكن أن تساهم الجامعة في مساعدة مصر على فتح أبوابها للعالم الخارجي وإطلاعه على تاريخها. هل هناك أي مكان آخر يمكن أن يذهب إليه أي شاب أمريكي أو صيني أو أـوروبي أو هندي أو ياباني لدراسة اللغة العربية غير مصر أم الدنيا؟ فمصر هي مركز الجاذبية بالعالم العربي، وخاصة أواسط أجوائها المرحبة والدافئة.

ما هي التحديات الرئيسية التي تتوقعها ونحن على مشارف الاحتفال بمئوية الجامعة؟

الحفاظ على التوجه العالمي للجامعة وذلك عن طريق جذب الطلاب الأجانب للعودة لمصر، إذ أنها الأكثر أماناً بين دول ومجتمعات أخرى تتمزق وتنهار في المنطقة العربية، والسعي لتجديد وتنمية مواردنا لضمان استدامتها. فعند عقد مقارنة بين الجامعة الأمريكية بالقاهرة وبين الجامعات الخاصة الأخرى بالولايات المتحدة الأمريكية، نجد أن الجامعة تعد قوية ولكنها ليست ثرية. وعلى رأس التحديات يأتي الصراع لتحقيق التميز وذلك في مواجهة الضغوط العالمية لتقبل ما هو عادي ومتوسط. وذلك يعني، على سبيل المثال، تعيين أفضل كوادر التدريس والذين يلتزمون بتطبيق أفضل المعايير العالمية في العمل وذلك في كافة المجالات، من العلوم إلى الفنون، ويعني أيضاً مواصلة جمع الأموال بهدف توفير المنح الدراسية. حالياً، يتمتع جميع الطلاب الملتحقين بالجامعة بالحصول على نوع ما من الدعم، إذ لا يدفع أي طالب أكثر من 60% من تكاليف تعليمه. كما يحصل 60% من الطلاب على منح دراسية كاملة أو جزئية للدراسة بالجامعة. نحن نحتاج لزيادة عدد المنح الدراسية المتاحة، وفي الوقت نفسه، العمل على عدم زيادة المصروفات الدراسية قدر الإمكان.

ماذا عن الفرص المتاحة للجامعة؟

تتمتع الجامعة بميزات قوية تنعكس في أعضاء مجتمعها، من هيئة تدريس من الخبراء، وموظفين مجتهدين ومتفانين في عملهم، وطلاب طموحين وذوي عقول لامعة، وآباء محبين ومتطلعين للمستقبل وعلى أهبة الاستعداد للتضحية من أجل أبنائهم، وخريجين يحدثون فرقاً في جميع أنحاء العالم وهم على يقين بأن الجامعة قد ساهمت في إطلاق مستقبلهم وإثراء حياتهم. لدينا حرم جديد رائع، ونتمتع بسمعة قوية ومتميزة للغاية في مصر والخارج، وهذه السمعة هي الشيء الأهم بالنسبة للجامعة. فبدونها، لا يمكننا بناء وتقوية هويتنا، ولا يمكننا الحفاظ على استمراريتنا. ولكن، لا يمكننا الاستهانة بهذه السمعة الطيبة في ظل المنافسة العالمية. لذا، يجب علينا المحافظة على سمعتنا بتحقيق التميز، وسنتمكن من القيام بذلك فقط إذا حافظنا على تماسكنا كمجتمع واحد مترابط. وكما ذكرت أثناء الحفل الرسمي الذي أقيم للترحيب بالآباء والطلاب الجدد بفصل الخريف الدراسي 2016، يجب أن نتذكر الأربع سمات الأساسية التي تميز الجامعة وهم كما يلي: العطاء، والنزاهة، والقوة، والتميز. وتلك السمات هي ما تمثله الجامعة الأمريكية بالقاهرة.