الأبعاد السياسية والاقتصادية والنفسية لأزمة اللاجئين السوريين

Syrian refugee camps in Cappadocia, Turkey, 2014. Fabio Penna via Flickr. CC BY-ND 2.0
Syrian refugee camps in Cappadocia, Turkey, 2014. Fabio Penna via Flickr. CC BY-ND 2.0

تحدث أساتذة الجامعة الأمريكية بالقاهرة إبراهيم عوض، أستاذ السياسة العامة والإدارة ومدير مركز دراسات الهجرة واللاجئين، وهاني هنري، أستاذ مساعد علم النفس، وماركو بينفاري، أستاذ العلوم السياسية، ومنى عامر، أستاذ مساعد علم النفس، عن مستقبل اللاجئين السوريين: بين المساعدات الإنسانية والعوائق الحدودية، مؤكدين أنه لا يمكن فهم حجم أزمة اللاجئين السوريين بدون النظر للوضع الاقتصادي والسياسي الحالي في الاتحاد الأوروبي. 

يشير عوض أنه في ظل وجود أكثر من أربعة ملايين لاجئ فروا من سوريا، وفقا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين، تعتبر أزمة اللاجئين هي عرض لمشكلة حقيقية في النظام الدولي الاقتصادي والسياسي. كما يؤكد عوض أنه تم تسليط الضوء على الأزمة في الآونة الأخيرة مع وصول الآلاف من اللاجئين إلى الدول الأوروبية، وأوضح أن السوريين ذهبوا أولاً إلى الدول المجاورة مثل الأردن، ولبنان، وتركيا، ثم انتقلوا إلى دول أخرى غير مجاورة مثل مصر، والعراق، قائلاً "إن نسبة اللاجئين في دول مثل الأردن، ولبنان أعلى بالمقارنة مع حجم هذه البلدان." ويضيف عوض معلقاً على افتراض أن السوريين يستهدفون الدول الأوروبية في الأساس، "أن السوريين اضطروا حتى إلى الذهاب إلى العراق، بالإضافة إلى عودة اللاجئين العراقيين الذين كانوا يعيشون بسوريا إلى للعراق أيضاً."

يوضح هنري أن الزيادة في عدد اللاجئين يمكن تفسيرها بوصول الكثير من المواطنين إلى حالة من العجز المكتسب، بعد خمس سنوات من الكفاح في البلد الذي مزقته الحرب، قائلاً "من المرجح أن السوريين الذين خرجوا من بلادهم وصلوا إلى استنتاج مفاده أن لا أمل ولا تغيير قادم، وعلى الصعيد الأخر، يجدون بعض الدول مثل ألمانيا ترحب باللاجئين، وتمنحهم الأمل في حياة أفضل لهم ولأبنائهم."

ووفقاً لإحصاءات للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين، "ينقسم الأربعة مليون لاجئ إلى 1.805.255 لاجئ سوري في تركيا، و249.726 في العراق، و629.128 في الأردن، و132.375 في مصر، و117.2753 في لبنان، و24.055 في شمال أفريقيا. بالإضافة إلى أكثر من 270.000 طلب لجوء من قبل السوريين في أوروبا، وآلاف الآخرين الذين أعيد توطينهم في أماكن أخرى من المنطقة."

ويعلل عوض بروز الأزمة الآن بسبب إغلاق لبنان والأردن لحدودهم أمام اللاجئين، باستثناء الحالات الإنسانية، ولذا توجهوا إلى أوروبا.

يؤكد بينفاري "أننا يجب ألا نغفل الصورة الأشمل، وهي أن أوروبا خرجت للتو من أزمة اقتصادية، حيث تضررت دول المنطقة الجنوبية وهي أسبانيا، وإيطاليا، واليونان بشدة من جراء الأزمة الاقتصادية، والآن هم في الخط الأمامي للهجرة من البحر الأبيض المتوسط. فعندما نفكر في رد فعل إيطاليا، وأسبانيا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، لا ينبغي لنا أن ننسى أن أحزاب اليمين المحافظ واليمين في أوروبا قد استفادت من الأزمة الاقتصادية لدعم موقفهم غير الموافق للاجئين، وبالأخص المهاجرين لأسباب اقتصادية، مما يسلط الضوء على البيئة السياسية الداخلية المعقدة في أوروبا. ويشدد بينفاري على أن هناك مواقف سياسية مختلفة ونقاش سياسي يدور الآن بين العديد من الأحزاب التي تتغير مواقفهم تبعاً لما يوافقهم سياسياً.

وتساءل بينفاري أيضاً عن الخط الفاصل بين مفهوم اللاجئين الذي فروا من البلاد خوفاً من الاضطهاد أو التهديد النفسي وبين المهاجرين الاقتصاديين، لأن اللاجئين يتمتعون بوضع أفضل من "المهاجرين لأسباب اقتصادية." يقول بينفاري "إن الخطوط ليست واضحة لأن هناك المزيد من الدعم في أوروبا الآن لمساعدة اللاجئين السوريين، ولكن لا يوجد دعم الهجرة لأسباب اقتصادية."

يوضح عوض أنه لم يكن متوقعاً أن يتعرض الاتحاد الأوروبي للخطر بسبب أزمة لاجئين، وتحاول بعض دول الاتحاد الأوروبي الآن والمفوضية الأوروبية تحديد حصة دول الاتحاد الأوروبي من اللاجئين استناداً إلى الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة، وحجمها إلى جانب معايير أخرى، وقد رفضت بعض الدول هذه الاقتراحات وقبلتها دول أخرى. ويذكر أن بعض حكومات شرق أوروبا رفضت اللاجئين في حين رحبت به شعوبها. ويستند هذا التقييم على السياسات وليس على النوايا الحسنة والسيئة، ويمكن أن يعزى ذلك إلى التاريخ والتنمية الثقافية الخاصة بدول شرق أوروبا في مقابل غرب أوروبا. يقول عوض "إن الأزمة التي واجهها الاتحاد الأوروبي خلال أزمة اليونان الأخيرة ومن بعدها أزمة اللاجئين قد أظهرت وجود مشكلة حقيقية في النظام الدولي، والمشكلة أبعد من أزمة لاجئين."

وطبقاً لعوض فإن الوضع أكثر تعقيداً من أن نقوم بتعميم المشكلة، قائلاً "على سبيل المثال، برغم فرار نحو 171.000 لاجئ إلى المجر، يمثل السوريون 39 بالمائة منهم، أي أقل من نصف عدد اللاجئين مما يعكس أنها مشكلة أمنية لهذه الدول. "فبعضهم لاجئين لهذه الدول من أفغانستان، والعراق ومن دول البلقان الأخرى، لذا يجب أن نعترف بأنهم يمثلون مشكلة اقتصادية وسياسية لهذه الدول."

ويوضح عوض أن أوروبا تواجه مشكلات خاصة بسياسات الدمج، على عكس كندا على سبيل المثال، قائلاً "يعيش اللاجئون في معزل مع ارتفاع معدلات البطالة بينهم، ونحن نأمل أن تعيد هذه الدول النظر في هذه السياسات، لمصلحة كلا الطرفين."

إن الظروف القاسية التي يمر بها اللاجئين كل يوم حتماً يكون لها آثار نفسية شديدة عليهم والتي عادة تغفل عنها برامج دعم اللاجئين أو لا تضعها في الحسبان، حيث تؤكد عامر على أهمية فهم الخلفية النفسية للاجئين.

ويشير هنري أن التأهيل النفسي للاجئين لا يقل أهمية عن توفير المأوى والغذاء، لأنه مسئولية إنسانية يتعين على الدول المضيفة القيام بها لمساعدة اللاجئين على العودة إلى حياتهم الطبيعية. يقول هنري "إن الأطفال عادة ما يتكيفون أفضل من آبائهم، مما قد يؤثر على وحدة الأسر. لذا فإن السؤال هنا هو، هل وضعت البلدان المضيفة في الاعتبار ثقافة اللاجئين وديانتهم؟ يعاني الأطفال اللاجئين من صدمات نفسية، فهل استعدت هذه الدول لهم، لإعادة تأهيلهم؟ إن لم يحدث هذا، فمن المرجح أن يتحول هؤلاء اللاجئين إلى قنابل موقوتة في هذه البلدان."

توضح عامر "يفر اللاجئين من تجارب صادمة وقاسية للغاية مثل رؤية أحبائهم يُقتلون، والشعور بالخوف وانعدام الأمان في بلدهم الأم. ثم يواجهون ظروف في شدة القسوة حينما يذهبون إلى أوروبا لأن الشرطة تعاملهم وكأنهم مجرمين، ويضعونهم في مراكز مؤقتة. يجب أن يكون الدعم الذي يحصل اللاجئون عليه شاملاً ليتضمن الدعم الصحي، والإسكان، والخدمات الاجتماعية، الوتعليم. وفيما يتعلق بالتعليم، يجب أن تتضمن المواد التي يدرسونها الثقافات المختلفة، وتعلم اللغة الأم للدولة المضيفة."

وتأكيداً على أهمية إعادة التأهيل والحاجة لتدريب الأطباء النفسيين الأوروبيين الذين يتم اختيارهم لمساعدة اللاجئين السوريين، تقول عامر "معظم الأطباء النفسيين غير مدربين أو متخصصين للتعامل مع هذه المجموعة من اللاجئين. فهؤلاء الأطباء في حاجة لفهم خلفية اللاجئين، وأن يكونوا منفتحين وعلى استعداد لمناقشة قضايا رئيسية أثناء الجلسات العلاجية، مثل التمييز في المعاملة والتعصب، وفقدان السلطة والامتيازات التي كان يتمتع بها اللاجئين سابقاً. إن مثل هذه الأمور عادة ما يغض الطرف عنها على مستويات كثيرة."

وبالإضافة إلى تحسين جودة المساعدة التي يتم تقديمها للاجئين، توضح عامر "إن دعم السياسات والممارسات العادلة الخاصة باللاجئين من قبل الأطباء النفسيين يعتبر من صميم عملهم. يجب أن يكون هؤلاء الأطباء مدركون للسياسات المتحيزة التي تتبناها كل من الحكومات وتعكسها وسائل التواصل الاجتماعي. كما يتحيز أيضاً بعض الأطباء النفسيين أنفسهم بسبب وجهات النظر التي يتبناها الغرب لأن القيم التي يؤمنون بها تختلف عن الثقافات الأخرى. ولا يدرك الكثير من الأطباء النفسيين القضايا والأسباب وراء ترك اللاجئين لوطنهم الأم."