تيد بيورنتون: الفصل الدراسي المختلف يركز على الطلاب

وفق تقرير التنافسية العالمية لعام 2013 – 2014 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي مؤخراً، احتلت مصر المركز الأخير بين 148 دولة أفريقية وآسيوية وغربية من حيث جودة التعليم الأساسي.

يرى الخبراء أن مرحلة التعليم الأساسي هي التي تضع حجر أساس التعلم والتنمية في المراحل اللاحقة من حياة الطفل. وبالتالي، فإن مصر في حاجة ماسة لإجراء إصلاحات تعليمية، لكن كيف يكون مسار هذه الإصلاحات؟
يقول تيد بيورنتون، المدير الأكاديمي المشارك للمبادرات الاستراتيجية، وأستاذ مساعد والعميد المشارك بكلية الدراسات العليا في التربية، "عندما نفكر في الإصلاحات التعليمية، عادة ما نفكر في الأنظمة، والبرامج، والهياكل، والخطط، ونغفل المكون الرئيسي في أي عملية إصلاح وهو الفرد ذاته."
يوضح بيورنتون أن التعليم فيما سبق كان يعتبر "انتقال للمعرفة"، حيث ينقل المعلم المعلومات إلى طلابه، الذين يستوعبونها بدورهم، ثم يعيدون نقلها مرة أخرى من خلال الاختبارات، أو المشروعات الدراسية، أو الواجبات المنزلية. أما اليوم، تشير الأبحاث إلى آراء جديدة حول علم أصول التربية والتدريس، وعملية تقييم الطلاب. يقول بيورنتون "للأسف، توجه الأنظمة التعليمية حول العالم نحو هياكل الاجتماعية وممارسات والنماذج التعليمية غير فعالة. بينما هناك حجم هائل من المعرفة والمهارات للتحفيز والتشجيع على التعلم، إلا أن الاستراتيجيات الخاصة بإصلاح التعليم لا زالت تعتمد على المعرفة المحدودة للوسائل التي يتعلم الطلاب بها، والتي يظهرون مهاراتهم من خلالها أياً كانت أعمارهم ومستوياتهم."
يؤكد بيورنتون على أنه يجب أن يكون المدرسون في مركز عملية الإصلاح التعليمي لكي تكون فعالة. ويجب أن يكون لدى هؤلاء المدرسين قاعدة عريضة من المعلومات في المادة التي يدرسونها، هذا فضلاً عن فهمهم للتطور الإدراكي، والاجتماعي، والنفسي للطلاب.
يبحث الكثير من الباحثين في مجال التعليم في نظريات جون بياجيه، عالم النفس السويسري الراحل. تفترض نظرية بياجيه للتطور الإدراكي أن جميع الأطفال يمرون بمراحل عامة من التطور الجسدي، والاجتماعي، والإدراكي، وذلك وفقاً للنمو البيولوجي في الأعمار المختلفة. هناك اختلافات فردية في معدل تطور أو تقدم الأطفال خلال المراحل المختلفة التي يمرون بها، ولكن يمر جميع الأطفال، أياً كانت خلفياتهم، بمراحل عامة في نفس الترتيب. يقول بيورنتون "يفكر الطلاب في جميع الأعمار بطرق مختلفة، وبالتالي فإن فهم خصائص الطالب المتوسط يكون مفيداً للغاية بالنسبة إلى المدرسين عند تحضير دروسهم وإعداد الواجبات المناسبة داخل وخارج قاعة الدراسة. يساعد ذلك المدرسين على فهم الطلاب وفقاً للمراحل المختلفة من نموهم. إذا تمكن المدرسون من فهم مراحل التطور الإدراكي والاجتماعي والجسدي التي يمر طلابهم بها، سيتمكنون من إعداد الوسائل التعليمية وتكييفها بناءً على ذلك."
تعد إحدى الافتراضات الخاصة بنظرية بياجيه للتطور الإدراكي هي مشاركة الدارس أو الطالب. لابد وأن يشترك الطلاب في عملية التعليم الاستكشافي من خلال الاستكشاف النشط، والمناقشة، والتجارب العملية. يقول بيورنتون "يجب أن يكون دور المدرس هو تسهيل التعلم، وليس نقل المعرفة بصورة مباشرة. يجب على المدرس أن يجد طرق مبتكرة لتشجيع الطلاب على الاشتراك في عملية التعليم. وبدلاً من الاستماع إلى محاضرة ما، عادة ما ينجح الطلاب في الدراسة حينما يتعلمون بأنفسهم أو داخل مجموعات، وذلك تحت توجيه المدرس من خلال المواد الدراسية والمواقف التي تتيح الفرص لهم للاستكشاف ومعرفة أشياء جديدة. وكثيراً ما يعتقد البعض أن هذه الطريقة تهمش من دور المدرس، إلا أنه في واقع الأمر، يكون دوره أكثر أهمية من خلال تطبيق هذا المنهاج في التعليم لأن التوجيه والإرشاد هنا يكون الجزء الأكثر أهمية في عملية التعليم."
تتحدث نظرية بياجيه عن مسألة "الاستعداد" أو فكرة أن الطلاب يمكنهم فهم واستيعاب مفاهيم معينة في سن معينة. يقول بيورنتون "إن لم يبلغ الطلاب المرحلة المناسبة من التطور الإدراكي، سيصعب عليهم فهم المفاهيم المقدمة لهم، وسيكون من المهم فهم أن التطور الإدراكي لا يتطابق مع السن دائماً. فعلى سبيل المثال، حتى أبرز علماء الرياضيات قد يضللون الطلاب، حينما يكونوا مدرسين، إن لم يستوعبوا أن الطلاب في المستويات الإدراكية المختلفة قد يسيئون فهم بعض مفاهيم معينة في الرياضيات. وللأسف، لا يعلم الكثير من المدرسين حول العالم كيفية التواصل أو التأثير في الطلاب الذين يصعب عليهم استيعاب المفاهيم وفقاً للسن، وبالتالي يفقدون الطلاب الذين لا يتمكنون من إظهار ذكائهم."
يؤكد بيورنتون أنه يجب أن يركز تدريب المدرسين على كيفية تدريس مادة معينة عند مستوى تنموي معين، وذلك وفقاً لكيفية استيعاب وتعلم الطلاب للمادة. يقول بيورنتون "لا يصعب على شخص ما أن يصبح مدرساً في ظل النظام التعليمي الحالي، يجب أن يكون ملماً بالمادة بشكل جيد، وأن يكون على علم بما يقوم بشرحه على الطلاب. لكن، يجب ألا يكون هذا الوضع هو الوضع السائد. ولكن من ناحية أخرى، يجب أن يطرح المدرس المؤهل جيداً سؤال باستمرار، ألا وهو: ما هو الشيء الإضافي الذي يجب على القيام به لتلبية احتياجات طلابي؟ إن المدرس الجيد، مثل الطبيب الجيد الذي يطرح الكثير من الأسئلة على المرضى لكي يتعمق في تاريخهم، يجب أن يعلم الكثير عن التطور الإدراكي للطلاب لكي يتمكن من توجيه الأسئلة الصحيحة."
ولكن، يجب ألا يتم تدريب المدرسين فقط، بل يجب تدريب الآباء أيضاً، "بحيث لا يعتمد الطلاب على المدرسين طوال الوقت، ولا ينتظرون التعليمات أو الموافقة أو التصحيح أو النصح أو كلمات الثناء باستمرار"، وذلك وفقاً إلى الكاتب ليو جونز في كتابه "The Student-CenteredClassroom". ومن أجل تحقيق ذلك، يجب أن يتسم المنهج الدراسي بالمرونة، لكن كثيراً ما يواجه هذا المنهاج بالرفض من قبل كل من الطلاب والآباء. يوضح بيورنتون "يواجه المدرسون الراغبون في أن يكونوا أكثر ابتكاراً صعوبات لأن الآباء والطلاب عادة ما يصابون بالحيرة تجاه مثل هذا الاتجاه فى التدريس. كثيراً ما يركز الآباء على أمور سطحية عند اختيار مدارس أولادهم، مثل اسم المدرسة، والمنهج الدراسي، والتجهيزات، وعدد الطلاب في الفصل الواحد. إن سألت الآباء، أي دافعي المصروفات الدراسية، ما هو الأمر الأكثر أهمية، المدرس الجيد أم عدد الطلاب في الفصل الواحد، من المحتمل أن يكون ردهم أن عدد الطلاب القليل أفضل بينما تشير الأبحاث إلى أن المدرس الذي يتميز بالكفاءة العالية فى فصل يضم 35 طالباً يكون أكثر فعالية من مدرس متوسط المستوى وعدد طلاب فصله 15 طالباً. وحينما أتحدث عن كفاءة المدرس، أعني أن يكون ملماً ليس بمادته فقط، وإنما بالتطور الإدراكي لطلابه والنظريات التربوية والتعليمية الخاصة بتلك المادة."
و من الوسائل التعليمية الجديدة التي تواجه مقاومة من قبل الآباء هى مفهوم الفصل الدراسي المختلف، حيث يتمكن الطلاب من مشاهدة المحاضرات على الإنترنت بمنازلهم، ومناقشة المادة الدراسية مع زملائهم على الإنترنت وداخل قاعة الدراسة، وذلك تحت توجيه وإرشاد المدرس. يستخدم مثل هذا الشكل من أشكال التعليم التجريبي التكنولوجيا التعليمية، مثل الوسائط المتعددة، والوسائط الترابطية، والحقيقة الافتراضية، حيث يتمكن الطلاب من التفاعل معاً داخل بيئة ثلاثية الأبعاد، وتدريس الزملاء، حيث يتعاون الطلاب معاً في المشروعات الدراسية، والتعلم من خلال الأنشطة العملية. يقول بيورنتون "لا يرغب الآباء دوماً في دفع المال فيما يرونه كتجربة، وذلك بالرغم من أن الأبحاث تثبت فوائد هذه التجارب."
يقول بيورنتون "يكتفى كل من الآباء، والطلاب، والمدرسين بنظام تعليمى تحكمه الدلالات التقليدية، مثل مجموع الدرجات وحيث يكون التركيز على المنتج النهائي وليس العملية التعليمية ذاتها، وعلى إيجاد وظيفة وليس تنمية مهارات تبقى مدى الحياة. يجب أن يتحلى المدرسون بالمسئولية والقدرة على صناعة القرارات فيما يتعلق بتطور طلابهم. سنتمكن، حينها فقط، من تحقيق طموح الأنظمة التعليمية لدينا، وذلك من خلال تنمية قادة ومفكرين إبداعيين يمكنهم حل أكثر المشكلات تعقيداً في عالمنا هذا."