إحياء الكتابة العربية يساعد في تشكيل هوية عربية جديدة

مرت الكتابة العربية بالرغم من تاريخها الإبداعي الغني بصعوبات خلال عملية انتقالها إلى صيغة رقمية لاستخدامها في التصميم البياني أو التصميم الجرافيكي. يبلغ عدد الخطوط العربية الموجودة حالياً حوالي 300 خط عربي مقابل ما يزيد عن 15,000 خط في الكتابة اللاتينية.

تقول بهية شهاب، أستاذ ممارس مساعد في قسم الفنون ومؤسس برنامج التصميم الجرافيكي بالجامعة، "واجهت اللغة العربية، مثلها مثل اللغات الشرقية كاللغة اليابانية، بعض المشكلات في ترقيم تاريخ الخطوط العربية الثري للغاية. فحينما نلقي نظرة على تاريخ تلك الخطوط، نجد نماذج فائقة الجمال لمخطوطات وكتابات منقوشة على المباني، إلا أنه حينما نرى أعمال فنية باللغة العربية مطورة على الكمبيوتر نجده أقل من المتوسط."
نشأت الأبجدية العربية عن كتابة الأنباط القدماء، وهو شعب سامي عاش في بلاد الشام وشمال شبه الجزيرة العربية. توضح شهاب "لم يكن هناك نسقاً محدداً للكتابة قبل ظهور الإسلام. وبالتالي، كانت اللغة العربية تترجم بصورة شفوية، هذا فضلاً عن السجلات التي سجلت المعاملات التجارية بها، والتي اعتبرت أولى نماذج الكتابة العربية."
أصبحت هناك حاجة جوهرية لتطوير لغة الكتابة مع ظهور الإسلام في القرن السابع. تقول شهاب "كان من الضروري الحفاظ على كلام الله ونقله للثقافات الأخرى. كان الخط الكوفي من أوائل صيغ الكتابة باللغة العربية والتي استخدمت من قبل أتباع الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) لتجميع القرآن، والذي يعتبر كتابة بارزة الزوايا."
وتطورت الكتابة بالغة العربية من خلال المخطوطات والنقوش الإسلامية. تقول شهاب "لم يعد الخط الكوفي الخط المفضل للكتابة بمرور الوقت تدريجياً. فقد حدث تطور في الحروف وفي طريقة وصل تلك الحروف ببعضها، وظهرت الكتابة الجارية أو المتشابكة لأنها كانت أكثر وضوحاً."
إلا أن الكتابة باللغة العربية قد تراجع استخدامها عن الكتابة باللغة اللاتينية خلال فترة الحكم العثماني، حيث واصل العثمانيون استخدام الخطاطين في كتابة الوثائق، بينما تحولت المجتمعات الغربية إلى استخدام آلات الطباعة. تقول شهاب "حينما بدأت الثورة الرقمية، كان من السهل تأقلم اللغات الأوروبية وتناغمها مع تلك الثورة، إلا أن اللغة العربية لم تتمكن من التأقلم مع آلات الطباعة، وبالتالي لم تكن مجهزة للتأقلم مع العالم الرقمي. وكنتيجة لذلك، تعتبر الخطوط العربية المتاحة نسخاً معدلة بصورة رديئة لكتابة تبلغ من العمر ألف عام. ويعد كل من ابن البواب وابن مقلة من آخر الخطاطين الذين حاولوا تحسين أو تنسيق أو إعادة تصميم الكتابة العربية وقد توفى الأثنان منذ أكثر من ألف عام."
تحد قلة عدد الخطوط العربية المتاحة للمصممين العرب من إمكاناتهم في التعبير. تقول شهاب "إذا افترضنا أنني أود تصميم عنوان رئيسي لإعلان تليفزيوني خاص بمنتج حديث ونسائي، لا يوجد في الخطوط العربية ما يتلائم مع تلك المتطلبات. وبالتالي، سيكون علي تصميم خط ملائم لذلك، إما عن طريق تكليف خطاط للقيام بذلك، أو القيام بتصميم مثل هذا الخط بنفسي لأن الخطوط المتاحة لا تلبي حاجتي. ففي واقع الأمر، لا يوجد من الخطوط العربية ما يشبع حاجة المصممين الجدد في العالم العربي، ولا يوجد تنوع في التعبير فيما يتعلق بتصميم الخطوط."
بالرغم من أهمية الخطوط في الكتابة والتصميم، إلا أن معظم المصممين لم يدركوا هذه المشكلة إلا خلال العشرة أعوام أو الخمسة عشر عام الماضية. تذكر شهاب "إن الأداة الرئيسية التي يحتاجها أي مصمم عند القيام بتصميم ما هو التيبوغرافيا أو الخطوط المتاحة على الكمبيوتر. وتتطلب حوالي 90% من تصميماتنا إلى التيبوغرافيا لأنه في حالة تصميم عبوة لمنتج ما، لابد وأن يكون لها عنوان يحتوي على اسم المنتج ومكوناته. وفي حالة تصميم بوستر أو ملصق حائط، فلابد وأن يتضمن عنوان رئيسي، وعنوان فرعي، ونص. فإن المشكلة هنا لا تكمن في صعوبة التعامل مع اللغة العربية بل أن الكتابة باللغة العربية تتضمن من ثلاثة إلى أربعة أشكال لكل حرف على حدة، حيث يتغير هذا الشكل وفقاً لموقع الحرف في الكلمة. وبالتالي، فإنه عند تصميم خط عربي، يتطلب ذلك بذل مجهود مضاعف بنحو ثلاثة أو أربعة مرات عن الجهد المبذول لتصميم خط باللغة اللاتينية."
تؤكد شهاب أن هذا الكم من الجهد المبذول يثبط من همة الكثير من المصممين. تقول شهاب "لا أحد يريد أن يستثمر الكثير من الوقت في مثل هذا الأمر، حيث يستغرق تصميم خط حوالي عام واحد، وبالتالي فإن هذا لا يثير اهتمام الكثيرين. فقد تم تصميم معظم الخطوط العربية من قبل أشخاص لا يتحدثون العربية بالضرورة، وهي شركات أجنبية تعتبر هذا فرصة تجارية لها."
وتذكر شهاب أنه من المنطق أن تنتهز تلك الشركات الأجنبية مثل هذه الفرصة، قائلة "إن لم تقم بتطوير نفسك، سيأتي شخصاً آخر لينتهز فرصتك. ويتحدث حوالي 295 مليون شخص اللغة العربية من المغرب إلى العراق، ومن العراق إلى أطراف الهند. ويستخدم هذا العدد الهائل من الناس الكتابة باللغة العربية، وبالتالي فإن تلبية حاجة مثل هذا العدد تعتبر فرصة تجارية مربحة."
إلا أن شهاب أشارت إلى أن هذا الاتجاه قد بدأ يتغير حيث أصبح المصممون العرب أكثر اهتماماً بتصميم الخطوط وتطويرها. تقول شهاب "لقد تعاون بعض الخطاطين العرب مع كبرى الشركات، وهو ما يعد أمراً رائعاً. وقد ساعدنا هذا التعاون على التقدم للأمام، بالإضافة إلى خلق توعية كافية عن المشكلة. نحن نحاول تطبيق الحلول التي تقدمها تلك الشركات، ولكن ما يستغرق وقت في هذه العملية هو بناء الثقافة."
تعمل شهاب على إعداد موسوعة للكتابة العربية مستعينة فى ذلك بالثروة المتاحة لنماذج من الخط العربي، بدءً من الخزف إلى المخطوطات والعمارة القرآنية، ، حيث تحتوي على 1000 نموذج من كل حرف عربي خلال الألف وربعمائة عام الماضية. وقد جمعت شهاب 1000 نموذج لحرفي اللام والألف لهذا الكتاب بعنوان "ألف لا" أو "A Thousand Nos". توضح شهاب "يتضمن الكتاب 1000 مثال من تصميم مختلف المصممين والخطاطين على مر التاريخ، والذين كانوا يحاولون إيجاد حل للمشكلة ذاتها، وهي كيفية رسم الحروف. ولكي يتمكن المصمم من تصميم خط جيد، فإنه يحتاج إلى مرجع مرئي للعمل من خلاله. ستعطي هذه الموسوعة للمصممين الجدد لمحة على تاريخهم لكي يتمكنوا من تخطيط مسار عملهم بناءً على ذلك."
يساهم أيضا التقدم التكنولوجي على إيجاد إمكانات جديدة لتصميم خطوط انسيابية. تقول شهاب "الآن، يتم تطوير برامج ذكية تقوم بتصميم خط ما عند تغذية هذا البرنامج بالأشكال المطلوبة. وآمل أن أجد صيغة لتوليد الخطوط من آلاف الصور التي أقوم بتجميعها. فقد يصل بنا الأمر في يوم ما إلى عدم احتياج مصممين لتصميم الخطوط."
تذكر شهاب أنه عند رؤية ثراء وتنوع تراث الخطوط العربية فإن ذلك سيهم فى تحفيز المصممين نحو مزيد من من الإبتكار والإبداع. تقول شهاب "كان الكتابنقطة تحول في حياتي لأنه كان أمراً مشجعاً أن أضع هذه الحروف على الحائط وأنظر إليها. برغم أنه حرف واحد فقط، إلا أنه ثري ومتنوع وإبداعي ورائع. نحن، كمصممين عرب، نحتاج إلى إعادة التواصل مع تراثنا. فلا يمكننا أن نتقدم إن لم نكن نعلم ما هي خلفياتنا."