Skip Ribbon Commands
Skip to main content
Sign In

فن التظاهر

الفن يساعد في الإعداد لثورة مصر البيضاء أو الثورة السلمية

حينما نذكر شرارة انطلاق ثورة 25 يناير، فإن أول ما يتبادر الى الأذهان هو الفيسبوك. وقد أثار تسميتها بثورة فيسبوك جدل واسع بين الباحثين والناشطين، إلا أنه نادراً ما انتبه المحللون إلى دور الفن  فى التعبيرعن الشعور بالغضب وهو ما أطلق شرارة هذه الثورة. يعتقد بروس و. فيرجسون، عميد كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن الفن بجميع أشكاله قد ساعد في الإعداد لثورة مصر البيضاء أو الثورة السلمية، كما أطلق عليها.

يقول فيرجسون "دائما ما يعرف أن الفنانين هم الأكثر شعورا وتأثراً بازدراء السلطة ومن يسيئون استغلالها"، وذلك في محاضرة ألقاها خلال فعاليات بينالي سيدني الثامن عشر بعنوان "ليس في عصر الفراعنة" في شهر يوليو الماضي. ويضيف فيرجسون "لقد تطورت الفنون لتصبح قوة مضادة ومواجهه للمظالم اليومية التي يخضع لها المرء في حياته داخل الكثير من الثقافات. فلا عجب أن الفنون هي أول بند يختفي عند إعداد الموازنات وأول نشاط يخضع للرقابة من قبل السلطات المتزعزعة. وتتخطى القوة التي تمتلكها الفنون أية سلطات فعلية أو قانونية قد يمتلكها فنان بمفرده،  مما يجعل الفنان مهدداً على مستوى المواطنة أو حتى على مستوى حياته الشخصية شأنه فى ذلك شأن أى فرد يواجه  الحكم الاستبدادي والمتسلط.

لقد نزل المصريون الذين شاركوا في ثورة 25 يناير الى الشوارع طلبا للحرية وذلك فى مجابهة لمجابهة الظلم متمثلاً في الفقر والفساد والتعسف والكبت. وقد سبق ذلك تعبير الكثير من الأدباء، مثل نجيب محفوظ، وعلاء الأسواني، وصنع الله إبراهيم، عن الصور المختلفة للظلم، وانتهي الأمر بهم إما بوضعهم تحت الرقابة أو سجنهم. ويقول فيرجسون "ولكن في مجتمع تزداد فيه معدلات الأمية، كما توضح الإحصائيات، فإن مثل هذه الأعمال الأدبية مهما بلغ تأثيرها الأدبي، لم تتمكن من الحث على إطلاق شرارة الثورة. وبالرغم من ذلك، كشفت الأعمال الأدبية عن وجود انشقاقات في البلاد. فقد ألقت أربعة أعمال أدبية على الأقل خلال العامين السابقين للثورة بعض الضوء على تلك الانشقاقات"، مضيفاً أن الثقافة الشعبية، سواءً كانت في صورة أغاني، أو أفلام، أو مسلسلات، أو الفن المسرحي المستقل، بدأت في إظهار رسائل مقاومة بصورة بطيئة وتدريجية.

ومن أمثلة الأعمال الفنية التي لعبت مثل هذا الدور عمل من إبداع الفنانة الأسبانية والمقيمة بالقاهرة آسونثيون مولينوس جوردو بعنوان "بدون عنوان 3 المتحف الزراعي العالمي"، حيث ربطت عملها الفنى بالمتحف الزراعي بالقاهرة، الذي أنشئ في فترة الثلاثينيات خلال حكم الملك فاروق.حيث ظلت معظم معروضات المتحف والتي تضم نماذج شمع، وملصقات وصور مرسومة يدوياً، ومخططات إحصائية بسيطة في حالة سكون  لمدة تزيد عن 70 عاماً. فقد ربطت الفنانة مجازياً بين هذا المتحف القديم وإهمال النظام الحاكم لتطبيق الممارسات الزراعية الصحيحة. وقد رمزت بهذا المعرض المستوحى من المتحف الزراعى والكائن بشقة مهجورة بشارع متفرع من ميدان التحرير إلى تراجع استغلال الأراضي الزراعية، واستخدام البذور المعدلة وراثياً، وزيادة قيمتها اقتصادياً مع خفض قيمتها اجتماعياً. ويقول فيرجسون "ربطت جوردو، بطريقة ملموسة، بين إهمال المتحف من ناحية وإهمال تحديث الريف المصرى من ناحية أخرى، وبالتالي اهمال الزراعة ذاتها، وأيضاً امتهان الحداثة لصحة الشعوب واقتصاداتها."

أما العمل الفني الثاني الذي صمم في فترة ما قبل الثورة وحلله فيرجسون، هو برج الأمل الذى صممته الفنانة لارا بلدي، وهو موجود بساحة دار الأوبرا المصرية منذ عام 2008 ويبلغ طوله تسعة أمتار وهو مصنوع  من الطوب والخرسانة. وقد طبع على كل طوبة على حدة رسم لحمار وفلاح، وكتبت كلمة "الأمل" باللغتين الانجليزية والعربية على جذع الحمار. ووينتهى البرج بسلالم خرسانية غير مكتملة البناء أما عند قاعدة البرج، فيوجد مقعد طويل للزوار حيث يمكنهم الجلوس والاستماع لقطعة موسيقية بعنوان "سيمفونية الحمار" لمختلف الآلات الموسيقيةتمتزج بنهيق حمار. ويقول فيرجسون "استلهمت لارا فكرة برج الأمل من المناطق العشوائية بالقاهرة، حيث يقطن 11 مليون شخص في حاجة إلى توافر وتحسين البنية التحتية والخدمات المقدمة إليهم. وتمثل تلك الأحياء المشيدة ذاتياً آمال وأماني الملايين من الأشخاص الذين يطمحون  فى لعب دور أفضل وملموس في مدينتهم ووطنهم، ويأملون في الحصول على حياة مستقرة وكريمة. أما الحمار، فهي تذكرة مزعجة بالطبقة العاملة وجهودهم في بناء المدينة، سواءً كانت مباني رسمية أو غير رسمية، وأياً كانت آمالهم الاقتصادية المنقوشة داخل أحلامهم المعمارية المختلفة."

أما العمل الثالث  فهو العرض الخاص بالفنانة أمل قناوي بعنوان "صمت الخرفان"، والذي عرض بوسط مدينة القاهرة في عام 2009، والى تضمن رسائل سخط على الأحوال الاجتماعية والسياسية في مصر. وقد عرض العمل الفني في الوقت ذاته مع افتتاح معرضها بجاليري تاون هاوس بعنوان "اتخذ موقفاً"، ولحماسها الشديد للإبداع خارج إطار المعرض، ألفت قناوي سلسلة من الأعمال الفنية لعرضها في شوارع القاهرة، حيث تصدرت "صمت الخرفان" تلك الأعمال. و استعانت ببعض الأصدقاء والأطفال، بالإضافة إلى 12 ممثل ، لتقديم العرض في مجموعة صغيرة تتحرك ببطيء في تقاطع رئيسي بوسط المدينة. وقد استأذنت، قناوي مع بعض المقيمين بالحى السكني لقبل تقديم هذا العرض ، وحازت فكرتها على القبول.

ولكن، لم تسير الأمور كما خططت لها. ويوضح فيرجسون "حينما بدأ العرض ولم تظهر كاميرات التصوير الضخمة، بدأ الشك يساور الجمهور حول نوايا قناوي وزملائها، حيث ألقيت عليهم التهم التي تتراوح بين الدعارة، والاتهام الأكثر انتشاراً، ألا وهو الاشتراك في مخططات أجنبية ضد الدولة." وقد واجهها الجمهور الغاضب هي والمؤدين بصرامة، حتى انتهى الأمر بالتحقيق معهم من قبل الشرطة. ويذكر فيرجسون "أن صمت الخرفان كان إنذاراً قوياً على قيام الثورة. وقد أثار هذا العمل بكل ما واجهه من عقبات السؤال الذى هدف العمل الى إثارته ألا وهو  إن كان العرض يتكلم عن الإذلال والمهانة، أم كان العرض ذاته إذلالاً ومهانة."

أما العمل الفني الأخير الذي ألقى فيرجسون الضوء عليه هو بعنوان "ثلاثون يوماً ركضفي نفس المكان" (عام 2010) وهو من إبداعات الفنان أحمد بسيوني، الذي استشهد بميدان التحرير في يوم 28 يناير 2011، المعروف بجمعة الغضب. وقد قدم العرض خارج قصر الفنون بدار الأوبرا المصرية داخل هيكل مستطيلي مصنوعاً من البلاستيك الشفاف. وأرتدى بسيوني بدلة بلاستيكية من تصميمه وتحتوي على مجسات إلكترونية تقيس الطاقة التي يصدرها وعدد الخطوات التي يأخذها أثناء ركضه في مكانه على جهاز الجري بضعة ساعات يومياً على مدى 30 يوماً. ويتم نقل البيانات لاسلكياً إلى شاشة ملونة، والتي مثلت حجم الطاقة التي يبذلها بسيوني. هذا، ويتم تجميع العرق الذي يفرزه في زجاجة في نهاية كل تدريب يقوم به. ويقول فيرجسون "أن الرسالة كان محتواها واضحاً للمصريين ومتابعي الأخبار السياسية والاقتصادية للبلاد. فقد كانت "الثلاثون يوماً ركض في نفس المكان" تشبيه واضح لحكم مبارك الممتد لثلاثين عاما. ثم، وبصورة عشوائية، يلقي بالعرق المجمع في التراب عند نهاية كل عرض أدائي، حيث أراد من الجمهور استنتاج، من خلال شاشات ذات تقنية عالية وأضواء تومض وتتلألأ، أن ثلاثة عقود من عرقهم كانت قليلة الأهمية، هذا إن لم يكن لها أية أهمية على الإطلاق."

بالنسبة إلى فيرجسون، تلك الأعمال الفنية الأربعة تعبر عن الكرامة والثقة فى مجابهة الإذلال والخضوع، وهو ما أدى إلى إندلاع ثورة 25 يناير. ويقول فيرجسون "أبرزت هذه الأعمال وجود فجوة معرفة وصدع اقتصادي أوجدهما الفقر، والأمية، وانعدام سيادة القانون، والدعاية المفتعلة، وانتهاك حقوق الإنسان، وهي بعض التصدعات التي أصابت الهيكل السياسي المصري. وبرغم ذلك، فإن اللامبالاة والخوف والإذلال الذي شعر به المصريون على مدى 30 عاماً والذي انعكس على شعب مصر بأكمله، كان قد بدأ يرفض هذا الشعور وببطئ، فكانت بداية الرفض من شخص واحد، وعمل فني واحد، وصوت واحد."